أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
تحليلتدقيق الحقائق

أزمة منتصف العمر: عالم نفسي يشرح كيف نتقبلها

لا ينبغي أن تكون فترة قلق وجودي وانحدار، بل يمكننا أن ننطلق منها لتحقيق النمو والازدهار

هناك عديد من الأسباب الوجيهة التي يمكن أن تجعلنا نشعر بقليل من التوتر والكآبة عندما نصل إلى منتصف العمر. قبل ذلك قد نشعر بأننا في منحنى تصاعدي – نزداد قوة جسدياً وذهنياً مع تقدم العمر، ونتعلم ونكسب مزيداً. لكن بعدها نصل إلى مرحلة تبدو فيها النهاية أقرب من البداية، وقد نشعر ببدء هبوط بطيء نحو الانحدار والتهالك النهائي.

وإلى هذا التحول المقلق في المنظور، تُضاف بعض المشاغل العملية الملحة لكثير من الناس، مثل تلبية مطالب الأطفال، ومزيد من المسؤولية في العمل، وربما رعاية الآباء المسنين أيضاً. لا عجب في أن يُقال إن عديداً من الأشخاص في منتصف العمر يعانون’أزمة منتصف العمر’ Mid-life crisis وهو مصطلح صاغه المحلل النفسي الكندي إليوت جاك Elliott Jaques، أولاً في عرض تقديمي في مؤتمر علمي بلندن في العام 1957، ثم لاحقاً، مطبوعاً، في ورقته البحثية في العام 1965 بعنوان الموت وأزمة منتصف العمر Death And The Mid-Life Crisis.

اشتُهر مصطلح جاك، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى كتاب لقي رواجاً كبيراً بعنوان ممرات: أزمات متوقعة في حياة البالغين Passages: Predictable Crises Of Adult Life للصحافية الأمريكية غيْل شيهي Gail Sheehy. نُشر الكتاب في العام 1976 وتضمن مقابلات أجرتها مع أشخاص في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات من العمر قال عديد منهم إنهم يمرون بمرحلة من الاضطراب والإرباك.

“الحقيقة هي أن فكرة أزمة منتصف العمر هي اختراع ثقافي أكثر من كونها حقيقة نفسية”

حتى يومنا هذا، تكثر النكات عما سيفعله الناس للتخفيف من قلقهم المتزايد مع التقدم في العمر: رجال في الأربعينات يشترون سيارات رياضية سريعة، أو نساء في منتصف العمر يهجرن منازلهن للذهاب في رحلة حول العالم مع حقيبة ظهر. وفقاً لدراسة أجريت في العام 2004، أفاد ما بين 10 و20% من الأشخاص أنهم يعانون أزمة منتصف العمر. ومع ذلك فإن الحقيقة هي أن فكرة أزمة منتصف العمر هي اختراع ثقافي أكثر من كونها حقيقة نفسية.

تأتي كل مرحلة من مراحل الحياة ومعها تحدياتها الخاصة، وبغض النظر عن القصص المتداولة، يتوافر قليل من الأدلة الموضوعية على أن منتصف العمر يمثل فترة ترافقها أزمة بحد ذاتها. لنأخذ دراسة تعود إلى العام 2010 أشرفت عليها جامعة نوتردام University of Notre Dame بولاية إنديانا واستندت إلى مسحين طويلي المدى Long-running surveys حول رضا الناس عن حياتهم، أحدهما أُجري في ألمانيا وشارك فيه نحو 40,000 شخص، والآخر أُجري في بريطانيا منذ العام 1991 بمشاركة أكثر من 20,000 شخص.

أظهر كلا الاستطلاعين أن الرضا عن الحياة يبقى ثابتاً طوال الحياة، حتى الشيخوخة. في الواقع أظهر الاستطلاع البريطاني بعض الأدلة على انخفاض طفيف في الرضا عن الحياة في بداية مرحلة البلوغ، ولكن مع انتعاش إيجابي من منتصف العمر فصاعداً، وحتى فترة متأخرة من الحياة.

هناك أسباب أخرى للشعور بالإيجابية عند الوصول إلى مرحلة منتصف العمر. بينما يتعين على البالغين الأصغر سناً شق طريقهم وإثبات جدارتهم في العمل، فمن المحتمل في منتصف العمر أن يكون وضعنا المهني أكثر استقراراً. تُظهر الأبحاث ذات الصلة أنه بحلول منتصف العمر يكون الناس قادرين على إيجاد مزيد من الدوافع الجوهرية لعملهم – المتعة المتصلة بممارسته ومعناه – بدلاً من الدوافع الخارجية التي تتعلق أكثر بالأجور والترقية.

وبينما يمكن أن يبدأ ما يسمى بـ ’الذكاء السائل‘ Fluid intelligence (القدرة الذهنية) في التراجع في وقت مبكر وحتى منذ العشرينات من العمر، فإن ’الذكاء المتبلور‘ Crystallised intelligence – مفرداتك ومعرفتك العامة – يستمر في النمو خلال الحياة، ومن المحتمل أن يكون أعلى مما كان عليه في أي وقت مضى. تميل ملكتا الفهم والحساب أيضاً إلى أن تكونا في ذروتهما في منتصف العمر أو حتى في وقت لاحق. وربما ليس من المستغرب أن هناك أيضاً بعض الأدلة على أن الحكمة تستمر في الازدياد حتى منتصف العمر وما بعده.

السبب الآخر الذي يمكن أن يجعلنا ننظر إلى منتصف العمر بتفاؤل يأتي من الأبحاث المتعلقة بالتغيرات التي تطرأ على الشخصية وتحدث عادةً على امتداد حياة الشخص. بفضل سلسلة من الدراسات طويلة المدى التي تابعت ودرست المجموعات نفسها من الناس على مدى عقود عديدة، نعلم أن معظمنا يمكن أن يتوقع أن يصير أكثر استقراراً عاطفياً مع تقدم العمر، وأن يتحلى بمزيد من الوعي وأن يكون ودوداً، على الأقل في منتصف العمر وأحياناً لاحقاً.

حتى عندما يتعلق الأمر بالتحديات الجسدية ومنتصف العمر، هناك كثير من القصص الإيجابية. ربما لاحظتم كثيراً من الرجال في سن معينة يرتدون الملابس الرياضية المصنوعة من ألياف اللايكرا المرنة ويخرجون لقضاء يوم ممتع على دراجاتهم، وهو ما أدى إلى إطلاق اسم MAMIL اختصاراً لعبارة ’رجال في منتصف العمر بملابس من اللايكرا‘ Middle-Aged Men In Lycra (بالطبع كثير من النساء يستمتعن بركوب الدراجات والرياضات الأخرى أيضاً).

هل أنت ’في أحسن حالاتك‘ وقد بلغت منتصف العمر؟ تشير الأبحاث إلى أننا نكون أكثر حكمة وسعادة وحماسة

في تحدٍ لأولئك الذين يسخرون منهم، يستمتع هؤلاء الأشخاص بوقتهم، وبالنسبة إلى أولئك الذين يرغبون في ذلك، فإنهم سيبارونهم إذا اختاروا المنافسة. في الواقع هناك زيادة ملحوظة في عدد الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 40 سنة ممن يتنافسون في رياضات التحمل Endurance sports (في الأدبيات البحثية، يُعرَّف عنهم باحترام باسم ’الرياضيين الأساتذة‘ Master athletes). على سبيل المثال شكل ’العداؤون الأساتذة‘ Master runners الذكور أكثر من نصف الرجال الذين أكملوا سباقات ماراثون مدينة نيويورك الأخيرة.

من المحتمل أن تكون هناك أسباب متعددة لهذا التحول الديموغرافي في ممارسة الرياضة، بعضها بلا شك يعود إلى تحسن الرعاية الصحية والوعي، مما يؤدي إلى تحسين اللياقة الوظيفية ودوامها على امتداد العمر. على الجانب النفسي وجدت بعض الأبحاث المثيرة للاهتمام من جامعة أوريغون University of Oregon أن روح المنافسة لدى الأفراد تزداد مع تقدم العمر قبل أن تبلغ ذروتها في نحو سن الخمسين.

 لذا عند النظر إلى الصورة بكاملها، بعيداً عن الأشخاص في منتصف العمر الذين هم في أحسن حالاتهم أو في حالة أزمة، سنجد أنهم يتحلَّون في أكثر الأحيان بمزيد من الحكمة ويشعرون بمزيد من السعادة والحماسة مما كانوا عليه في أي وقت مضى. كما هي الحال مع عديد من الأشياء في الحياة، يعود جزء كبير من هذا إلى الكيفية التي ننظر وفقها إلى الأمر، ومن خلال التركيز على الإيجابيات، قد نجد أن هناك بعض الحقيقة في مثَل شائع آخر يقول إن الحياة تبدأ بالفعل في سن الأربعين.


د. كريستيان جاريت Christian Jarrett
كريستيان عالم أعصاب معرفي، وكاتب علمي ومؤلف كتاب: أساطير الدماغ العظيمة وكُن مَن تريد: إطلاق العنان لعلم تغيير الشخصية. Great Myths Of The Brain and Be Who You Want: Unlocking The Science Of Personality Change

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى