أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاء

كيف يمكن أن نرى أبعد مـــــــــــــن المجموعة الشمسية

ينظر علماء الفلك بنحو عام إلى الشمس على أنها عائقٌ أمام الأشياء التي يرغبون في دراستها. ولكنها قد تكون المفتاح الذي يمكِّنهم من مراقبة الكواكب الشبيهة بالأرض على بُعد عدة سنوات ضوئية منا

كولن ستيوارت Colin Stuart

لكن بالنسبة إلى توريشيف هناك مشكلة محبطة. يقول: “نستنتج وجود هذه الكواكب- لا نراها”. تقع الكواكب النجمية التي يُحتمَل أن تكون شبيهة بالأرض في أكثر الأحيان على بعد مئات السنين الضوئية. هذه مسافة بعيدة جداً بالنسبة إلينا ولا تمكننا من رؤيتها مباشرة. بدلاً من ذلك علينا أن نستنتج وجودها، ويحدث ذلك عادةً عن طريق رؤية ضوء نجمها يخفت قليلاً في أثناء مرور الكوكب أمامه، أو رؤية النجم يتأرجح بتأثير من جاذبية الكوكب. ولكن حتى مسح ضوء النجوم الذي يمر عبر الغلاف الجوي للكوكب بحثاً عن علامات على الأكسجين والماء يمكن أن يعطينا نتائج إيجابية كاذبة. وهذا يجعل من الصعب جداً على علماء الفلك تقديم دليل قاطع على أن هذه الكواكب هي بالفعل مسرح عظيم للحياة. من يقول إنها ليست مجرد سراب هامد في الصحراء الكونية؟ لا عجب أننا نتتوق إلى إلقاء نظرة فاحصة عليها.

الحجم مهم
يمثل تصوير كوكب نجمي شبيه بالأرض- حتى لو كان مجرد بكسل واحد في الصورة– تحدياً هائلاً. يقول توريشيف: “إذا أردتُ أن أرى أرضاً أخرى من مسافة 100 سنة ضوئية، فأنا في حاجة إلى تلسكوب يبلغ قطره 90 كم”. ستغطي مرآة مثل هذا التلسكوب مساحة أكبر من لندن وباريس ونيويورك وطوكيو مجتمعة. أكبر التلسكوبات على الأرض لديها حالياً مرايا يبلغ قطرها نحو 10 م. حتى التلسكوب الكبير جداً الجديد Extremely Large Telescope، وهو قيد الإنشاء حالياً في تشيلي، سيعمل بمرآة عرضها 39 م. “فقط” عند اكتماله في العام 2025. يقول توريشيف: “لا يمكننا رؤية الكواكب في الخلفية باستخدام التلسكوبات الحالية أو حتى تلك المخطط لبنائها في المستقبل القريب”. إذا أردنا صورة أكثر تفصيلاً– من النوع الذي يمكن أن يخبرنا شيئاً مفيداً عن الكوكب– نحتاج إلى مرآة قطرها أكبر من ذلك بكثير.
ولكن ما زالت الفرصة سانحة. فتوريشيف هو العقل المدبر وراء فكرة جريئة لاستغلال ثغرة فلكية، وهو شيء يصفه بأنه “هبة من الطبيعة”. إنه يعمل على طريقة جديدة تماماً لتصوير كوكب نجمي يشبه الأرض باستخدام أكبر ما في حوزتنا على مدى سنوات ضوئية آتية: إنه الشمس.
تشوه الأجرام الضخمة مثل الشمس نسيج الفضاء المحيط بها. الأرض، على سبيل المثال، عالقة في بئر من الجاذبية من صنع الشمس، ولهذا السبب نحن عالقون في مدار حولها. يضطر أي ضوء يقترب من المجموعة الشمسية من أي مكان آخر إلى اتباع هذا الانحناء المحلي للفضاء. ينتهي الضوء بالانحناء حول الشمس تحت تأثير يُسمى تأثير عدسة الجاذبية Gravitational lensing. فمثلَ عدسة مكبِّرة عملاقة، تضخم الشمس الضوء الآتي من الكواكب النجمية البعيدة بما يصل إلى 100 بليون ضعف. لرؤية صورة لكوكب نجمي، علينا فقط أن نضع مركبة فضائية في المنطقة التي تجعل فيها الشمس ضوءه في بؤرة. فالشمس هي بمنزلة تلسكوب الكون الهائل الذي لا يمكن لعلماء الفلك أن يتخيلوا بناءه إلا في أحلامهم. تضطلع الشمس بالجزء الكبير من المهمة بحيث إن كل ما تحتاج إليه المركبة الفضائية التي نرسلها لالتقاط الضوء هي مرآة قطرها متر واحد، أي أقل من نصف قطر مرآة التلسكوب هابل الفضائي.
إن الإمكانات التي تعد بها تقنية كهذه هائلة. فبدلاً من رؤية الكوكب كله على بكسل واحد، تُظهر حسابات توريشيف أنه باستخدام الشمس يمكننا تحقيق دقة تبلغ 20 كم/ بكسل. يقول: “يمكن أن نرى القارات والمحيطات وأنماط الطقس”. وقد نرى الغابات والصحاري أيضاً. قد تغطي مدينة كبيرة مثل لندن أكثر من بكسل واحد. لذلك قد نكون قادرين على ملاحظة أن المناطق يتغير سطوعها مع حلول الليل، وتبدأ أضواء مدينة في الفضاء البعيد في السطوع. يقول توريشيف: “كل هذا يصير ممكناً باستخدام عدسة الجاذبية الشمسية”.
ولكن ستقتصر مهمة كل بعثة على استكشاف مجموعة شمسية أخرى واحدة في كل مرة. يقول توريشيف: “لن نكون قادرين على توجيه المركبة نحو نجم جديد”. فالمحاذاة الدقيقة المطلوبة تتطلب أن يكون الكوكب الذي تريد تصويره في خط مباشر خلف الشمس. فنحن نتجه عادةً مباشرة نحو الكوكب الذي نريد استكشافه، لكن لاستخدام هذه التقنية علينا أن نبتعد عنه في الاتجاه المعاكس تماماً. يتطلب فحص نظام نجمي آخر باستخدام المركبة الفضائية نفسها الانتقال إلى منطقة أخرى من الفضاء، وهو أمر يتجاوز نطاق مقترح توريشيف الأولي. ولكننا سنكون قادرين على استكشاف كواكب متعددة تدور حول النجم نفسه. قد يكون النظام TRAPPIST-1 أول مرشح واعد. نعلم أن هناك سبعة كواكب بحجم الأرض تقريباً ويمكننا تصويرها واحداً تلو الآخر في البعثة نفسها. وسيستغرق تجميع الصور التي تعطينا لمحة كاملة عن كل كوكب نحو ثمانية أشهر.

الإبحار بعيداً
تستدعي كل هذه الإمكانات الواعدة طرح سؤال عن سبب عدم تجربة ذلك من قبل. والإجابة عن ذلك هي أنه يمثل تحدياً هندسياً هائلاً. تركز عدسة الجاذبية الشمسية ضوء أي كوكب نجمي في بؤرة يمكن رصدها تبعد نحو 650 وحدة فلكية (AU)؛ وتمثل الوحدة الفلكية المسافة بين الشمس والأرض. لوضع الأمور في سياقها يجدر أن نذكر أن نبتون، وهو أبعد كوكب مؤكد في مجموعتنا الشمسية، يدور حول الشمس على بُعد متوسطه 30 وحدة فلكية AU. قطع مسبار فوياجر 1 (Voyager 1)، وهو المركبة الفضائية التي سافرت إلى أبعد نقطة عن الأرض حتى الوقت الحالي، مسافة 150 وحدة فلكية فقط منذ إطلاقها في العام 1977. ويحمل المسبار نيو هورايزونز New Horizons التابع لناسا الرقم القياسي لأسرع مركبة فضائية تنطلق من الأرض، لكنه يسافر بمعدل يزيد قليلاً على ثلاث وحدات فلكية سنوياً في الطريق إلى بلوتو. بسرعات مماثلة، سيستغرق الأمر ما يقرب من 200 عام للوصول إلى بؤرة العدسة.
يقول توريشيف: “نحن في حاجة إلى أن نكون قادرين على الوصول إلى هناك خلال فترة تضاهي عمر إنسان”. فمن العدالة أن يرى من يبنون المركبة الفضائية ثمار عملهم. كل طفل بلغ من العمر ست سنوات يشعر أيضاً بنفاد صبر، فنحن نريد إجابات عن هذه الأسئلة التي نحملها منذ الطفولة في أقرب وقت ممكن. لإنجاز هذا الأمر، سنحتاج إلى نوع من الدفع Propulsion يختلف عن النوع الذي نستخدمه حالياً لإرسال بعثات بين الكواكب. فبدلاً من ذلك، يمكن أن تصل سرعة مركبة فضائية مجهزة بشراع شمسي Solar sail إلى 25 وحدة فلكية في السنة، وهذا يعني أننا يمكن أن نصل إلى هناك خلال نحو ربع قرن.
تعمل الأشرعة الشمسية بطريقة مشابهة لعمل أشرعة السفينة، فتمتطي الرياح الشمسية التي تهب من الشمس أو تركب على تيار الضوء النفاث، وتدفع جزيئات ضوء الشمس التي تضرب الأشرعة المركبة تماماً كما تفعل جزيئات الهواء على الأرض. يقول توريشيف: “إنّ بعثات مثل إيكاروس IKAROS اليابانية ولايتسيل LightSail [التابعة للجمعية الكوكبية
The Planetary Society] برهنت بالفعل بنجاح على عمل الأشرعة الشمسية في الفضاء… لدينا التكنولوجيا التي نحتاج إليها لتحقيق ذلك”. ستُجهز مركبته الفضائية المقترحة بـ 16 شراعاً، مساحة كل منها 1,000 م2. وقد راقت الفكرة لوكالة ناسا التي دعمت تمويل عمله ضمن برنامج المفاهيم المتقدمة المبتكرة Innovative Advanced Concepts.
يشعر البروفيسور لويس دارتنيل Lewis Dartnell، عالم الأحياء الفلكية من جامعة وستمنستر University of Westminster، بالحماسة تجاه المشروع. يقول: “إذا تمكنّا من بناء مثل هذه التكنولوجيا المستقبلية، فستكون بمنزلة هبة عظيمة لعلم الأحياء الفلكي… هذا من شأنه أن يمنح علماء الفلك قدرة هائلة على تقييم مدى صلاحية كوكب نجمي للحياة”.
يوافقه الرأي د. نيكولاس راتينبيري Nicholas Rattenbury، من جامعة أوكلاند University of Auckland في نيوزيلندا، بقوله: “إن اكتشاف ميزات عالم خارجي يمكننا ربطه بمحيط حيوي سيكون أمراً رائعاً”. ولكن حماسته محفوفة بالحذر:“ستكون بعثة صعبة جداً، إنها تمثل أحد أكثر الأهداف طموحاً التي رأيتها في مجال استكشاف الكواكب النجمية”.

هل هناك من لديه شكوك في الأمر؟
إذن ما الخطوة التالية على طريق تحويل هذا الحلم المعقد إلى حقيقة؟ يخطط توريشيف لإرسال بعثة تجريبية للبرهنة على أن التقنية ناجحة، وهي نسخة مصغرة لإظهار أن نظام الدفع بالشراع الشمسي يمكن أن يعمل من حيث المبدأ. يقول: “ستصل إلى سرعات تبلغ سبع وحدات فلكية سنوياً، وهو ضعف الرقم القياسي الحالي”. وإذا سارت الأمور على ما يرام، يأمل أن نتمكن من إطلاق المركبة الفضائية فعلياً بحلول العام 2035، وهذا يعني أنها يمكن أن تصل إلى بؤرة عدسة الجاذبية الشمسية نحو العام 2060. “إنه جدول زمني جريء، لكن لدينا بالفعل معظم المكونات، كل ما علينا هو أن نجمعها معاً”، كما يقول.
قد نضطر إلى الانتظار بعض الوقت، لكن الصبر جزء من العملية. تقول البروفيسورة سارة سيغر Sara Seager، التي تطارد الكواكب النجمية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology: “إن البحث عن أرض أخرى هي عملية ستستغرق أجيالاً”. لكننا ما زلنا في حاجة إلى التفكير حاليا في تلسكوبات الغد. وتقول: “نرغب في الاستثمار بنسبة %100 في تقنيات جديدة تماماً، [وهي] ضرورية إذا أردنا متابعة أي اكتشافات مشوِّقة ننجزها خلال الجيل الحالي”. وهذا سبب إضافي يدفع نحو الاستمرار في فهرسة الأنظمة المثيرة للاهتمام مثل النظام TRAPPIST-1 حتى نكون مستعدين للانطلاق عندما نفكر في إنجاز مهام جديدة في وقت لاحق من هذا القرن.
مصادفةً سيشهد الجدول الزمني الذي يقترحه توريشيف عودة الصورة الأولى بعد فترة ليست طويلة من الذكرى المئوية لإطلاق سبوتنيك 1 Sputnik 1، أول قمر اصطناعي وصل إلى مدار الأرض. إذا استغرق الأمر منا 100 عام فقط للانتقال من أن نلمس السماء بأطراف أصابعنا إلى تصوير مدن كبرى مترامية الأطراف على كواكب نجمية، فهل هناك يا تُرى حضارات أخرى تستخدم عدسة الجاذبية الشمسية لشموسها لمراقبة الأرض؟ “بالتأكيد”، يقول توريشيف، مضيفاً: “ليس لديَّ أدنى شك في أنه يوجد في مكان آخر من المجرة أشخاص يعرفون كيف نعيش هنا”.
بفضل عمله، قد لا يطول الأمر قبل أن ننضم إلى نادٍ من علماء الفلك تمتد عضويته إلى ما بعد المجموعة الشمسية، ويمكننا أخيراً الحصول على إجابات لتلك الأسئلة التي لن يتوقف الأطفال في داخلنا عن طرحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى