تكنولوجيا

اتصالات الجيل الخامس 5G والجدل حول هواوي: لماذا يتجاوز البعد الأمني؟

مركز هواوي للأبحاث والتطوير في شنغهاي بالصين

آرثر لودرين Arthur Laudrain
(APB_Laudrain@)
باحث بعد الدكتوراه في الأمن السيبراني – جامعة أكسفورد. ويدرس قضايا تقاطع التكنولوجيا والأمن الدولي.

في يناير 2020 أعلنت حكومة المملكة المتحدة أنها ستسمح لشركة هواوي الصينية بتوفير المعدات للمساعدة على بناء شبكة اتصالات الجيل الخامس (اختصاراً: الشبكة 5G) في البلاد. ورداً على ذلك، هددت الولايات المتحدة بحجب بعض معلوماتها الاستخباراتية عن المملكة المتحدة، وحذرت من أن المفاوضات التجارية ستواجه صعوبات إضافية. خبير الأمن السيبراني آرثر لودرين Arthur Laudrain يُحلّل لنا القضايا ذات الصلة.

بين إنترنت الأشياء IoT والمدن الذكية، نتوقع أن يُوصَّل نصف تريليون جهاز بالانترنت بحلول عام 2030، بدءاً من مصابيح الشوارع إلى السيارات ذاتية القيادية والمصانع والألبسة. وستعتمد الأغلبية الساحقة منا على تقنية الجيل الخامس وخليفته، وهذا يجعل التكنولوجيا اللاسلكية ضرورية لحياتنا اليومية وأمننا واقتصادنا. ويعمل مزودو خدمة الإنترنت البريطانيون بالفعل على الارتقاء بشبكاتهم إلى جانب تمديدات شبكة الجيل الرابع 4G القائمة. ومن ناحية المستهلك، فقد طرحت أول هواتف ذكية تعمل بتقنية 5G في السوق في عام 2019، وسمحت المملكة المتحدة لشركة هواوي بالمساعدة على بناء أجزاء “غير أساسية” من شبكة 5G. وقد قوبل هذا بقلق، لأنه يبدو أن الصين تبني دولة مراقبة تتتبعُ وتُصنِّف وتُسيطر على معظم سكانها.
ويكمن الخوف في أن تتمكن الحكومة الصينية من الاستفادة من البيانات المتدفقة عبر أجزاء الشبكة التي تبنيها لتبسط نظام الدعاية والرقابة خارج حدود الصين.

مسألة قيم
يثير الاتصال الواسع بإنترنت الأشياء مخاوف تتعلق بالأمن وحقوق الإنسان، وقد تكون سرية بيانات المواطنين في خطر.
في عام 2007 أزالت السلطات المحلية في إستونيا تمثالاً من الحقبة السوفييتية. ورداً على ذلك، فقد شلت الخوادم الروسية النظام المصرفي في إستونيا. وبالمثل، إذا كانت هناك أزمة دبلوماسية أو عسكرية بين القوى الصينية والأوروبية – سواء حول تايوان أو هونغ كونغ أم شعب الأويغور – فربما لا تتمكن هواوي من مقاومة ضغوط الحكومة الصينية لتعطيل النقل العام أو الصناعة أو شبكات الطاقة في باريس أو برلين أو لندن.

مسألة ثقة
للتخفيف من مخاوف حكومة المملكة المتحدة، في عام 2010 أتاحت هواوي لخبراء مختارين الاطلاع على الشيفرة المصدرية Source code برمجياتها. وحتى الآن كشفت عمليات التدقيق عن ضعف في هندسة البرمجيات، ولكن لا نوايا خبيثة. ومع ذلك، يمكن للشركات المصنعة دائماً أن تحدِّث عن بعد البرمجيات المشغلة للمنصات. ويُنجز ذلك عادةً لتحسين الأداء أو إدخال ميزات جديدة أو إصلاح نقاط الضعف أو الثغرات الأمنية. ومع ذلك، يمكن استخدامها لإتاحة الدخول سراً عن طريق باب خلفي Backdoor access أيضاً. وهذا أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة إلى منصات 5G، نظراً لاعتمادها على قابلية البرمجيات لإعادة التصميم والتشكيل.
في أحسن الأحوال، يمكن الموازنة بين هذه المخاطر من خلال تنويع مقدمي الخدمات وفصل الشبكات الافتراضية اعتماداً على حساسيتها. مع هذا، يقول المركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة National Cyber Security Centre إنهم قادرون فقط على توفير “ضمانات محدودة” على أنه بالإمكان تخفيف مخاطر تبني حلول هواوي. ومن ثم، فهي مسألة ثقة وموازنة المخاطر.

مسألة منافسة عادلة ورؤية استراتيجية
و أحد الأسباب التي تجعل الأوروبيين يواجهون قرارات سياسية صعبة يرجع إلى نقص الاستثمار في البحث والتطوير في مجال الاتصالات 5G. فقد صارت هواوي واحدة من كبرى شركات الاتصالات مع قدرات مالية هائلة. إذ تنفق هواوي بما يزيد على %30 مما تنفقه منافستيها الأوروبيتين -شركتا إيركسون Ericsson ونوكيا Nokia- مجتمعتين على مساعي البحث والتطوير R&D لشبكة 5G. لكن الحكومة الصينية ربما ساعدت الشركة. فقد توصل تحقيق حديث أجرته صحيفة وول ستريت جورنال The Wall Street Journal الأمريكية إلى أن هواوي تلقت مساعدة حكومية بقيمة 75 بليون دولار (58 بليون جنيه استرليني) بأشكال مختلفة.
وفي أوائل فبراير طلبت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا إلى مفوضية الاتحاد الأوروبي تعزيز مقاومة ما اعتبرته منافسة غير عادلة من الشركات الأمريكية والصينية. لكن ضعف أوروبا في مجال الاتصالات 5G، وأحدث التطورات التكنولوجية بصورة أعم، لا يمكن أن يُعزى فقط إلى المنافسة غير العادلة. إنها نتيجة غياب الرؤية الاستراتيجية والسياسات الصناعية.
وإذا كان لهذا الجدل ثمة فائدة، فإنه يؤكد أهمية الإرادة السياسية. ومن دونها، في المملكة المتحدة تماماً كما هي الحال في أي مكان آخر، من المرجح أن تكون لقوى السوق الأسبقية على اعتبارات السيادة أو الاستقلالية على المستوى الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى