العلوم الطبيعية

اللجنة الدولية للتغيرات المناخية تنبه إلى ضرورة التحرك العاجل لإنقاذ المحيطات

د. هيلين سكيلز (@helenscales) هيلين هي عالمة أحياء بحرية وكاتبة ومذيعة.

تؤثر المحيطات في صحة الكوكب بأسره. وإذا لم نقم بخفض انبعاثاتنا؛ فسيكون في انتظار معظم بلدان العالم مستقبل مُثقَل بالفيضانات والجفاف والجوع، وفقاً للأمم المتحدة.

في أواخر شهر سبتمبر 2019، في الأسبوع نفسه الذي انضم فيه ملايين الأشخاص حول العالم إلى أكبر حركة احتجاج على الإطلاق على خلفية التغير المناخي، أصدرت الأمم المتحدة تقريراً صادماً عن آثار تغير المناخ في الأجزاء المالحة والمجمدة من الكوكب: المحيطات والغلاف الجليدي.
ترتفع درجة حرارة المحيطات ونسبة الحامضية في مياهها وتفقد الأكسجين الواهب للحياة؛ أما الأعاصير التي تنقلها المحيطات فصارت أكثر تواتراً وترويعاً؛ كما أن أنماط هطول الأمطار تتبدل؛ والتندرا المجمدة تذوب؛ وتختفي الثلاجات (الأنهار) الجليدية والصفائح الجليدية، مما يسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر.
كان كل هذا واضحاً بالفعل، لكن التقرير الجديد، الذي جمعته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) التابعة للأمم المتحدة، يكشف بتفصيل صارخ عن النطاق الهائل لهذه التغييرات وسرعة وتيرتها.
صدر التقرير بعد ثلاث سنوات من الإعداد، وقد أسهم فيه 104 من كبار العلماء من 36 دولة وتضمن 7,000 من أحدث الدراسات. إنه الفحص الصحي الأكثر شمولاً المتعلق بالمناخ للمحيطات والقطبين والجبال – وكلها مرتبطة بخيط الماء المشترك – والتشخيص قاتم.
منذ عام 1970 صار المحيط العالمي أكثر دفئاً، لكن منذ عام 1993 زاد معدل الاحترار بأكثر من الضعف. وفي العقد الماضي تضاعف ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية ثلاث مرات مقارنة بالعقد السابق، مع خسائر مماثلة في الغطاء الجليدي في غرينلاند. ومن ثمَّ، فإن ارتفاع مستوى سطح البحر يتسارع. كل هذا وأكثر من ذلك بكثير يؤثر في الأنواع والأنظمة الإيكولوجية، من الدببة القطبية الجائعة إلى الشعاب المرجانية التي تفقد ألوانها وتتحول إلى اللون الأبيض.

البشر في خطر
إضافة إلى تقييم الأضرار البيئية، يقيِّم التقرير أيضاً التكاليفَ البشرية المرتفعة. والأكثر عرضة للخطر هم 680 مليون إنسان يعيشون على طول السواحل المنخفضة، و670 مليوناً آخرين في المناطق الجبلية، إضافة إلى خمسة ملايين في القطب الشمالي و 65 مليوناً في الجزر الصغيرة.
هؤلاء هم الأشخاص والمجتمعات الذين سيفقدون منازلهم وطعامهم ومياه الشرب وسبل عيشهم بسرعة كبيرة.
لن تتهاون الطبيعة مع كل من لا يعيش في منطقة مرتفعة أو من يقطن بالقرب من البحر. وكما يوضح التقرير، يؤدي المحيط والغلاف الجليدي دوراً مهماً للحياة على الأرض. والذوبان المستمر للأنهار الجليدية سيؤدي إلى تقليل إمدادات المياه على نطاق واسع ولن تتمكن محطات الطاقة الكهرومائية من توليد الكهرباء.
وستواجه العديد من المناطق زيادة في مشكلات الأمن الغذائي، إذ تؤثر التغيرات الحاصلة في هطول الأمطار في نوع المحاصيل التي يمكن إنباتها. وستتغير الأسماك التي نتناولها أيضاً؛ إذ ستنتقل بعض الأنواع ومجموعات الأنواع البحرية وتغير موائلها للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، لكن البعض الآخر لن ينجو في محيط أكثر دفئاً وحمضية.
بشكل عام، ستتراجع إنتاجية المحيط ويصبح أقل قدرة على إطعام الناس في جميع أنحاء العالم، وخصوصاً في البلدان الأكثر اعتماداً على الأسماك كمصدر للتغذية. وسيكون تناول المأكولات البحرية أكثر خطورة أيضاً، مع ازدياد الطحالب الضارة التي تلوث السلسلة الغذائية وانتشار مسببات الأمراض.
يلقي التقرير نظرة متأنية على المستقبل ويقدم مجموعة من التنبؤات للمسار المرجح الذي ستتبعه الأمور اعتماداً على مدى فعالية خفض انبعاثات غازات الدفيئة. ويبدو أن بعض التغييرات حتميةً وستمضي قدماً مهما حدث. في العديد من المناطق الساحلية ستصبح الأمطار الغزيرة التي كانت تنهمر مرة كل قرن حدثاً سنويّاً بحلول عام 2050، وذلك بسبب المؤثرات السلبية ثلاثية الأبعاد المتمثلة كذلك في ارتفاع مستوى البحار واشتداد العواصف فيها.
وسواء كُبحت انبعاثات الكربون أم لا، فإن أحداث
إل-نينيو وإل-نينيا الشديدة ستتضاعف مرتين على الأرجح هذا القرن مقارنة بالقرن الماضي، وسيتبدل نظام هطول الأمطار مداورة، جاعلا بعض أجزاء العالم أكثر رطوبة والأخرى أكثر جفافاً.

مستقبلان
يتبدى العديد من جوانب أزمة المناخ بصورة مختلفة تبعاً لأفضل أو أسوأ السيناريوهات. ويركز تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ بشكل رئيسي على حزمتين من التوقعات: إحداهما في مستقبل من الانبعاثات المنخفضة، حيث يُحد من الاحترار العالمي إلى درجتين سيليزيتين بحلول عام 2100. وخلافاً لذلك، يقوم سيناريو الانبعاث المرتفع على مواصلة الأمور «كالمعتاد» في غياب سياسات فعالة لمكافحة التغير المناخي. وتقدم المقارنة بين الأمرين نظرة فاحصة على مستوى تفاقم أزمة المناخ في غياب إجراءات فورية.
وموجات الحر البحرية Marine heatwave التي تحدث عندما ترتفع درجات حرارة البحر عدة درجات لفترات طويلة، تقضي بالفعل على النظم الإيكولوجية الساحلية مثل غابات المنغروف والشعاب المرجانية. وفي ظل سيناريو منخفض الانبعاثات، من المتوقع أن تصبح موجات الحرارة أكثر تكراراً بمعدل 20 مرة بحلول نهاية القرن؛ وفي ظل سيناريو الانبعاثات المرتفعة، سيكون الاحتمال أكبر بمقدار 50 مرة.
ويعتمد مقدار ارتفاع مستوى سطح البحر أيضاً على مقدار خفض الانبعاثات. في القرون المقبلة، وفي ظل سيناريو الانبعاثات المرتفعة، سترتفع مياه البحر عدة أمتار بحلول عام 2300. وإبقاء الانبعاثات متدنية قد يجعل ارتفاع مستوى البحر يقتصر على متر واحد فقط.
وفي إطار سيناريو الانبعاثات المنخفضة، سيحتفظ المحيط بمزيد من الأكسجين، وستكون الحمضية أقل حدة وسيكون هناك المزيد من الأسماك لتوفير الطعام للبشر. ومن الأهمية بمكان معرفة أن هذا الخيار سيؤدي أيضاً إلى إبطاء سرعة التغيير الحتمي؛ مما يتيح للأفراد والنظم الإيكولوجية مزيداً من الوقت للتكيف. والرسالة الإيجابية في تقرير الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ هي أن هناك فرصة لتفادي الأسوأ، وأنه وما زالت هناك خيارات يمكن اتخاذها بشأن مستقبل كوكبنا الحي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق