علم الإنسان

اللغز الذي هو أنت

لاكتشاف ما الذي يجعلنا مدركين بذواتنا، يخوض باحثون من جميع أنحاء العالم مسابقة كبرى لتحديد من أين يأتي الوعي حقاً...

د. كريستيان جاريت Dr Christian Jarrett
رسوم: فيكتور سوما Victor Soma

لقد دفعت التطوراتُ العلميةُ البشر إلى القمر وإلى أقصى أعماق المحيطات. فقد شطرنا الذرة وصممنا حواسيب يمكنها هزيمة بطل العالم Grandmaster في الشطرنج. ومع ذلك، لا يزال العلم غير قادر على شرح الجانب الأكثر جوهرية للوجود، ألا وهي تجربتنا الذاتية للوجود؛ أو وعينا Consciousness.

لم ينتج هذا من قصور في المحاولة. إذ إن هناك العديد من نظريات الوعي، لكن لا يجد أي منها قبولاً على نطاق واسع. ويعود سبب ذلك جزئيّاً إلى طبيعة التحدي الذي يجري على مستويين. هناك ما وصفه الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز David Chalmers ‘المشكلة السهلة’ Easy problem للوعي، وتقوم على شرح العمليات البيولوجية التي تقوم عليها الوظائف العقلية، مثل الإدراك Perception والذاكرة Memory والانتباه Attention. لكن هناك أيضاً ‘المشكلة الصعبة’ Hard problem التي تشرح كيف ولماذا يوجد جانب شخصي لهذه الوظائف العقلية تمثله الذات أو أنا المتكلم (أي لماذا، عندما يرتطم إصبع قدمك بشيء، فأنت لا تسجل فقط حدوث التماس الذي أضر بك – بل تكون الصدمة مؤلمة بالفعل). تكابد نظريات الوعي العلمية بشكل خاص في حل المشكلة الصعبة – وفي الواقع، هناك خلاف حول ما إذا كانت هناك بالفعل مشكلة صعبة في الأساس.

الحاجة إلى تحقيق تقدم

تعتقد مؤسسة تمبلتون الخيرية العالمية Templeton World Charity Foundation – وهي واحدة من ثلاثة كيانات خيرية أنشأها المُحسِن البريطاني أمريكي المولد جون تِمبلتون John Templeton – أن بإمكانها المساعدة. وتمول مؤسسة تمبلتون أبحاثاً «لإثراء حياة الأفراد وإعادة تعريف حدود المعرفة الإنسانية والتقدم المحرز». وفي نهاية عام 2019 أطلقت المؤسسة مبادرة تمويل بملايين الدولارات تحت مسمى تسريع الأبحاث حول الوعي Accelerating Research On Consciousness. والهدف منها تحفيز البحث العلمي لتحقيق تقدم أكبر في مجال الوعي، فعلياً من خلال تقليل عدد النظريات المتنافسة. ويقول مُعدّ المشروع والمشرف عليه د. دافيد بوتغايتر Dawid Potgieter من مؤسسة تمبلتون: «سأعتبر المبادرة ناجحة إذا قضينا على نظرية واحدة فحسب».

وتعتمد المبادرة على نهج Appraoch يُعرف بالتعاون بين المتنافسين Adversarial collaboration، حيث يعمل اثنان أو أكثر من العلماء الذين لديهم آراء متعارضة معاً لحل مسائل علمية. ويدافع عن هذا النهج دانييل كانيمان Daniel Kahneman، عالم النفس الحائز على جائزة نوبل والذي اضطلع بدور ريادي في تكوين فهمنا للكيفية التي يتخذ وفقها الأفرادُ القرارات. وفي الواقع، فقد صادف طرح مبادرة الوعي الجديدة مع الذكرى السنوية لمسابقة علمية أخرى جرت قبل 100 عام. إذ استخدم آرثر إدينغتون Arthur Eddington الكسوف الكلي للشمس عام 1919 لمقارنة تنبؤات نظرية النسبية العامة الجديدة لآينشتاين آنذاك بنظريات نيوتن. وقد فاز آينشتاين.

لكن اختبار الوعي أصعب من اختبار الجاذبية، لذلك وللمشاركة في مسابقة مؤسسة تمبلتون، يتعين على قادة نظريتين متنافستين للوعي الموافقة على تجربة ستخضع أفكارهما للاختبار. ويتعين على كل جانب أن يوافق على أنه في حال الحصول على نتائج معينة، ستُدحض نظريته. ومن المخطط إجراء خمس تجارب من هذا القبيل، وقد بدأت التجربة الأولى في أكتوبر 2019.

استلهم بوتغايتر إطلاق المبادرة الجديدة بعد حضور فعالية نظمها مركز العلوم المفتوحة Center For Open Science في عام 2017، وبعد ذلك أجرى محادثات مع أشخاص في مجال أبحاث الوعي، ويقول: «كل من منظري الوعي قال الشيء نفسه تقريباً: ‘نظريتي رائعة حقّاً ولا تحظى بالتقدير الذي تستحقه؛ إنها قابلة للاختبار، وأود لو تتاح لي الفرصة لإثبات أن نظريتي صحيحة وأن الآخرين على خطأ’ … الكثير من هؤلاء الأشخاص لم يتحدثوا حتى إلى بعضهم البعض من المشتغلين في مجال علم الأعصاب، إنهم معزولون تماماً».

لقاء العقول 

نتجت أولى التجارب الخمس من اجتماع استمر يومين نظمه كريستوف كوخ Christof Koch، الرائد في أبحاث الوعي، ورئيس وكبير العلماء بمعهد ألين لعلوم الدماغ Allen Institute for Brain Science في سياتل. وقد دعاه بوتغايتر إلى ترتيب الاجتماع واختيار الحاضرين، بما في ذلك قادة نظريات الوعي الذين يختارهم، فضلاً عن كبار العلماء التجريبيين في المنهجيات ذات الصلة، وفلاسفة (للحفاظ على سلامة المفهوم Conceptual hygiene)، وباحثين شباب واعدين من ذوي المهارات الفنية ويتمتعون بالحيوية، وليست لديهم مصلحة حاليّاً يحتمل أن تجعلهم متحيزين.

وتفرض قواعد الاجتماعات بأن يستضيف كلّاً منها شخصٌ محايد أو شخص يحظى على الأقل بالاحترام. ويختار المضيفُ الضيوفَ الآخرين، ولا تُستخدم عروض مرئية PowerPoint تعرض معاني عامة. ويقول بوتغايتر: «للاجتماع هدف واحد، وهو الخروج بتجربة يمكنها وبطريقة حاسمة اختبار نظرية أو أكثر من النظريات. … إن علامة النجاح هي أن تكون لدينا في النهاية، تجربة يقول فيها منظِّر أو أكثر: نعم هذه النتيجة من هذه التجربة سوف تدحض نظريتي».

وأفضى الاجتماع الأول إلى تجربة متفق عليها ومن شأنها أن تضع نظرية المعلومات المتكاملة في الوعي Integrated Information Theory of consciousness (اختصاراً: النظرية IIT) ضد نظرية مساحة العمل العصبية الشاملة Global Neuronal Workspace Theory (اختصاراً: النظرية GNWT). وتبدأ الأولى بتحديد ما يشكل تجربة واعية، وتدافع عن الحد الأدنى من الآليات المعرفية اللازمة لإنتاجها. وفي الوقت نفسه، تقترح النظرية الثانية أن ظهور الوعي يحدث عندما يُحتفظ بالمعلومات عند نوع من التقاطع العقلي قبل بثها إلى أجزاء أخرى من الدماغ.

يوضح البروفيسور جيوليو تونوني Giulio Tononi، عالم الأعصاب من جامعة ويسكونسن University of Wisconsin، وأحد مؤسسي النظرية IIT: «إن أحد الاختلافات الرئيسية بين النظريات هو أن النظرية GNWT تُعرِّف الوعي كرسالة Message، بينما تعرفها النظرية IIT على أنها هيكلية Structure من نوع خاص».

وتقود التجربة الأولى البروفيسورة لوسيا ميلّوني Lucia Melloni، من معهد ماكس بلانك لعلم الجمال التجريبي Max Planck Institute for Empirical Aesthetics، واتباعاً لمبادئ العلوم المفتوحة فهي مسجلة بالكامل (وهذا يعني أن جميع الطرق والافتراضات يُعلن عنها مسبقاً وتكون متاحة لاطلاع الجمهور). ومن المقرر أن تستمر التجربة لمدة ثلاث أو أربع سنوات، وستستعين بمتطوعين للنظر في مختلف المُحفِّزات Stimuli، سواء ذات الصلة بالمهمة Task-relevant موضع الدراسة أو غير ذات الصلة Task-irrelevant، ولعب ألعاب الفيديو بينما يسجل نشاط أدمغتهم بطرق متعددة، بما في ذلك تخطيط الدماغ الكهربائي المغناطيسي Magneto-electroencephalography والتصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي Functional magnetic resonance imaging وتسجيل ما يحدث داخل القشرة الدماغية بطريقة باضعة Invasive intracortical recordings. ويؤمل بأن توفر أنماط النشاط العصبي المسجلة في مختلف حالات الإدراك الواعي Conscious awareness أدلةً حاسمةً لصالح النظرية ITT أو النظرية GNWT- كما اتفق قادة تلك النظريات. وعلى سبيل المثال، تتوقع النظرية GNWT أن الوعي سيكون مرتبطاً بالنشاط في المناطق الأمامية والجدارية من الدماغ مع بث المعلومات إلى وحدات متخصصة، في حين تتوقع النظرية ITT أن يكون الجزء الخلفي من الدماغ أكثر ارتباطاً بالوعي نظراً لأن لديه الخصائص الهيكلية اللازمة.

ويقول تونوني: «أنا متفائل بأن النظرية ITT لن تفشل. لكنني آمل أيضاً بأن أتعلم شيئاً لم يتوقعه أحد منا، وهذا غالباً ما يكون بمثابة مكافأة رائعة للعلم».

أما التجارب التالية التي لم يتفق عليها بعد، فستشتمل النظريات الأخرى التي يتعين اختبارها على ما يسمى بنظريات المستوى الأعلى Higher-order theories ونظريات الترميز التنبؤية Predictive coding theories ونظريات الكم Quantum theories (انظر: الإطار في الصفحة السابقة).

مراجعات متفاوتة

ليس الجميعُ متحمسا للمبادرة الجديدة. فالدكتور كيث فرانكش Keith Frankish، الفيلسوف من جامعة شيفيلد University of Sheffield، الذي يشكّ في أي نظريات تدّعي أنها تفسر شعورنا الشخصي Subjective أو ‘الاستثنائي’ Phenomenal بالوعي (الجانب المتصل بكيفية الإحساس به) فيما يتعلق بعمليات الدماغ.

ويقول: «إن أكثر ما قد نأمل أن نفعله هو إيجاد ارتباطات Correlations بين عمليات المخ والخصائص الاستثنائية. … بل وحتى حينها هناك مشكلة منهجية Methodological problem. لأنه لا يمكن أن يكون هناك اختبار موضوعي Objective test لوجود خصائص ذاتية بشكل أساسي». وهذا يعني، بناءً على طبيعته، لا يمكن الإبلاغ عن جانب الوعي الذاتي ووصفه إلا من قبل الشخص الذي يخوض التجربة (وهذا هو السبب في أننا، أنا وأنت، لا يمكننا أن نعرف أبداً ما إذا كانت تجربتنا الذاتية مع اللون الأحمر، على سبيل المثال، هي نفسها؛ إنها معضلة تتعلق بما سماه تشالمرز المشكلة الصعبة).

ويعتقد فرانكش أن إحساسنا الذاتي بالوعي هو في الأساس مجرد وهم أوجده الدماغ، وهو نهج يسميه الوهمية Illusionism. يقول: «نرحب بتمويل العمل التجريبي وستكون البيانات التي ستجمع مفيدة. … لكن من غير المرجح أن يُنجِز المشروع أي شيء حتى يكون لدينا تصوّر أفضل لما نحاول شرحه بالضبط».

فرانكش هو من محبي نظرية مخططات الاهتمام Attention schema theory للدكتور مايكل غراتزيانو Michael Graziano، والتي ترى أن الوعي هو نمذجة الدماغ لعمليات الانتباه الخاصة به.

يشك غراتزيانو أيضاً، عالم أعصاب في جامعة برينستون، في مبادرة تمبلتون، وخاصةً في إدراجها النظرية ITT، إذ يقول: «في الوقت الحالي تعاني أبحاث الوعي فجوة كبيرة. … لكنها ليست بين النهجين الممثلين في هذا المشروع. إنها بين النظريات الميكانيكية Mechanistic والنظريات السحرية Magicalist».

يرى غراتزيانو أن نظريته الخاصة تنتمي إلى المعسكر الأول والنظرية ITT إلى المعسكر الثاني. «تفترض [النظريات السحرية أن لدينا خاصية سحرية بشكل أساسي، شعور شخصي بداخلنا، وهذا في حد ذاته ليس شيئاً مادياً يمكن قياسه مباشرة. لا يمكننا أن نشعر به ونخبر بعضنا البعض عن الشعور به». ويجادل قائلاً: «هذا النهج يتفق مع افتراضات الناس الساذجة والحدس، لذلك فهو طبيعي ومريح. لكن الافتراض الأول – بوجود شيء سحري – يضعه في غير محله. لا توجد هنا فرصة للنجاح العلمي أو الفهم. إنه مثل افتراض وجود أشباح ثم البحث عنها بشكل علمي. إنها، بكلمة واحدة، علم زائف Pseudoscience».

إلا أن غراتزيانو مهتم أكثر بالنظرية GNWT، لكنه يعتقد أن بعض نسخها تتماهى أيضاً مع النهج السحري، ومن خلال اختيار وضع هذه النظرية ضد النظرية ITT، يرى أن مبادرة تمبلتون محكوم عليها بالفشل منذ البداية. ويقول: «إنه أمر سيِّىء جدٌ، إذ لا يزال الكثير من الباحثين يحاولون العثور على الشبح في الآلة بدلاً من محاولة فهم سبب اعتقاد الآلة بوجود شبح في المقام الأول».

المضي قدماً

واجه بوتغايتر العديد من هذه الآراء المتعصبة في هذا المجال – بل إن ما دفعه في الواقع إلى محاولة استخدام التعاون بين متنافسين هو رغبته في دفع الأمور إلى الأمام. وعلى سبيل المثال، كتوجّه معاكس لمنظور فرانكش-غراتزيانو القوي، فكر في وجهة نظر الفيلسوف البريطاني د. غالين ستروسون Galen Strawson، في مجلة مراجعات نيويورك للكتب New York Review Of Books في عام 2019، حين قال أن الوهمية هي «الادعاء الأكثر سخفاً».

وبالنظر إلى هذا المُناخ الأكاديمي، في حين يركز مشروع تمبلتون ظاهرياً على نظريات الوعي، فإن أهدافه في النهاية أعمق بكثير، وهو تغيير الطريقة التي يجري وفقها العلم. يقول بوتغايتر: «بطريقة ما يُعد هذا تمريناً لهدفٍ ممتد فنحن نحاول تحقيق شيء ما، ونتعلم الكثير من الأشياء التي يمكننا تطبيقها بعد ذلك لرفع مستوى العلم بشكل أعم … لذا آمل بأن ينجح ذلك لكنني لست قلقاً إذا لم ينجح».

يضيف مدير بوتغايتر، د. أندرو سيرازين Andrew Serazin، رئيس مؤسسة تمبلتون الخيرية العالمية: «إن اهتمامنا بالتغيير الثقافي هو بالقدر نفسه بالنتيجة الرسمية المتمثلة بقتل إحدى النظريات». ويقول سيرازين إن العلامات المبكرة جيدة.

ويقول تونوني: «إن أكثر ما كان مصدر إلهام لهذه العملية هو التفاني والكفاءة المهنية والمثالية الحقيقية للعلماء الذين قضوا بالفعل معظم السنة … لتحويل هذا المشروع إلى حقيقة قائمة .إذا جمع المرء هذا مع الحماسة والرغبة في المشاركة التي أظهرها العديد من العلماء التجريبيين المشغولين في جميع أنحاء العالم، فلا يسعه إلا أن يشعر بالتفاؤل بشأن إمكانية التقدم العلمي، حتى في مشكلة صعبة يُساء فهمها مثل الوعي».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى