علم النفس

جـــعــــلــــني دمــــاغـــــي أفعلها

وجدت مجموعة متزايدة من الأبحاث أن إصابات الرأس تجعل الناس أكثر ميلاً إلى السلوك الإجرامي...

بقلم: ليندا غيديس

كان الورم النامي في الجزء الأمام من دماغ المعلم بحجم البيضة، وكان هو السبب المحتمل لنوبات الصداع، ومشكلات التوازن، وصعوبات الكتابة والرسم التي أصابته مؤخراً. ولكن هذه الأعراض تضاءلت مقارنة بتغيرات الشخصية التي أحدثها الورم. وقبل عدة أشهر ألقي القبض على الرجل بتهمة التحرش الجنسي بابنة زوجته القاصر؛ كان قد جمع أيضاً مجموعة من المواد الإباحية، بما في ذلك صور غير لائقة لأطفال.
كان يعلم أن دوافعه غير مقبولة، لكنه ادعى أن «مبدأ اللذة» Pleasure principle لديه يتجاوز قدرته على ضبط النفس. وأصر على أن هذا الولع بالأطفال- ورغبته القاهرة في التصرف وفقاً لدوافعه الجنسية- كانت جديدة عليه. وخلص أطباؤه إلى أن هذا أمر معقول بالتأكيد، فقد كان الورم ينمو في الفص الأيمن من القشرة الحجاجية الجبهية Orbitofrontal cortex بدماغه، وهي منطقة في الدماغ ترتبط بالسلوك الاجتماعي والحكم على الأمور والتحكم في الدوافع. وبمجرد إزالة الورم، اختفت على ما يبدو دوافعه المنحرفة، وتحسنت قدرته على الرسم والكتابة والتوازن. وأكمل بنجاح برنامجا لمجموعة المهووس الجنسي المجهول Sexaholics Anonymous، وسُمح له بالعودة إلى المنزل. ولكن في العام التالي، بدأ سرّاً بجمع المواد الإباحية مرة أخرى، وأظهر تصوير الدماغ أن الورم عاود النمو. وقد خضع لعملية جراحية أخرى لإزالته.
نفترض في كثير من الأحيان أن من يشتهون الأطفال Paedophiles أو الأشخاص الذين يرتكبون فظائع أخرى ليسوا مثلنا؛ ولدوا أشراراً أو صاروا كذلك بسبب تعرضهم لإساءة المعاملة في طفولتهم. وثمة إصابات الدماغ- الناجمة عن ضربة على الرأس أو عن سكتة دماغية أو ورم ضاغط على أنسجة الدماغ المجاورة صار يُعترف بها بصورة متزايدة كعامل آخر قد يحفز على السلوك الإجرامي أو يؤدي إليه. وفي بعض الأحيان تُحدث هذه الإصابات تغيرات في الشخصية تكون من الوضوح بحيث تدق أجراس إنذار فورية، لكن تغيرات الشخصية غالباً ما تكون أقل وضوحاً، وتظل الإصابة الدماغية غير مكتشفة.
ليست الجرائم الخطيرة مثل الاعتداء الجنسي على الأطفال أو القتل وحدها التي ترتبط بإصابات الدماغ: فقد كشفت دراسة حديثة شملت 613 رجلاً فُحصوا عند دخولهم إلى سجن ليدز أن %47 منهم تعرضوا لإصابة دماغية واحدة على الأقل- أي ضربة خطيرة على الرأس أدت إلى فقدان الوعي أو الشعور بالدوار أو الارتباك الشديد- حيث أصيب معظمهم قبل ارتكاب جريمتهم الأولى.
لا يمكن لتشخيص التلف الدماغي هذا أن يؤدي إلى برامج أكثر فاعلية لإعادة تأهيل تقلل من إعادة ارتكاب الجرم فحسب، لكن العلماء يجمعون من خلال دراسة الشبكات الدماغية المصابة تبصرات جديدة حول طبيعة الإجرام نفسه.

دماغ تالف DAMAGED BRAIN
هناك تاريخ طويل للفكرة التي مفادها أن التلف الدماغي قد يؤدي إلى تغيّر الشخصية. فقد كانت حالة فينياس غيج Phineas Gage واحدة من أوائل الحالات الموثقة، وهو عامل بناء أمريكي في مجال السكك الحديدية كان يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، ونجا في عام 1848 من حادث تضمن مرور قضيب حديدي عبر خده الأيسر خروجاً من قمة رأسه؛ مما أدى إلى تدمير معظم الفص الجبهي Frontal lobe الأيسر من دماغه.
يقول الدكتور مايكل كريغ Michael Craig، استشاري الطب النفسي والمحاضر في الطب الشرعي وعلوم النمو العصبي من كلية كينغز كوليدج لندن King’s College London: «لقد تغير غيج من شخص لطيف نسبيّاً إلى شخص يتصف بسمات معادية للمجتمع، فصار عنيداً بذيء اللسان وسريع الغضب؛ وقال أصدقاؤه إنهم لم يعودوا يرون فيه غيج الذي عرفوه. ومن هنا جاءت الفكرة العامة المتمثلة بوجود مناطق في الدماغ، إذا تعرضت لإصابة أو لجراحة أو ورم، فبإمكانها تغيير شخصية الشخص بالفعل». ومنذ ذلك الحين اكتشف العلماء أموراً كثيرة حول كيفية عمل الدماغ والدور النسبي للأجزاء المكونة له. فمثلاً، يوجد الفصان الجبهيان- بما في ذلك القشرة الحجاجية الجبهية، حيث نما ورم المعلم- أسفل الجبهة مباشرة ويُعتقد أنهما موقع العديد من الوظائف العليا مثل التخطيط وحل المشكلات واتخاذ القرارات. فهذه المناطق تنظم أيضاً الدوافع والسلوك الاجتماعي.
درس كريغ وزملاؤه أيضاً أدمغة الأشخاص الذين يُظهرون سمات معادية للمجتمع والتي تبدو فطرية، مثل الاعتلال النفسي (السيكوباتية) Psychopathy. واكتشفوا مؤخراً تشوهات في الحزمة الشصية Uncinate fasciculus – وهي «الأسلاك» التي تربط الفص الجبهي باللوزة المخية المنظمة للمشاعر- لدى سيكوباتيين «المعلقين نفسيّاً» أدينوا بارتكاب جرائم عنيفة بما في ذلك الاغتصاب والقتل، مقارنة بغير السيكوباتيين. ويقول كريغ: «وجدنا أن تلك المنطقة كثيرة الأخاديد أو أقل تماسكاً مما كانت عليه في غير المصابين باعتلال نفسي». وكلما زاد سلوكهم المعادي للمجتمع، ازداد وضوح الشذوذ.
أعاد باحثون آخرون بناء الإصابات التي لحقت بغيج باستخدام برامج التصوير والبرمجيات الحديثة، واكتشفوا أنه تعرض أيضاً لتلف الحزمة الشصية، وكذلك الفصين مقدم الجبهيين Prefrontal lobes. تتألف الحزمة الشصية من المادة البيضاء White matter، التي تنسق تدفق المعلومات بين مناطق الدماغ المختلفة. وتعرف بعض زملاء كريغ أيضاً على تشوهات في المادة الرمادية لأدمغة السيكوباتيين، المكتنفة في معالجة المعلومات. وقال كريغ: «هناك فكرة متنامية مفادها أنه ليست هناك منطقة واحدة أو أخرى [التي تحكم السلوك المعادي للمجتمع]، ولكن شبكات من المناطق المهمة». وفي حالة الحزمة الشصية، فإنها تشكل جزءاً من الجهاز الحوفي Limbic system – وهو شبكة من مناطق الدماغ المختلفة المتضمنة في استجاباتنا العاطفية والسلوكية للعالم من حولنا.
إذا حدث تلف لشبكات دماغية بأسرها وليس في مناطق محددة، فقد يساعد ذلك على تفسير اكتشاف محير: يقول الدكتور مايكل فوكس Michael Fox، الأستاذ المشارك في علم الأعصاب من كلية الطب في جامعة هارفارد Harvard Medical School ببوسطن، ماساتشوستس: «بوصفي طبيب أعصاب، فمن بين أسرارنا الصغيرة أن موقع التلف الدماغي لا يرتبط في كثير من الأحيان بالمكان الذي نعتقد أن الأعراض تأتي منه. خذ حُبسة بروكا Broca’s aphasia مثلاً، وهي حالة يعاني المصابون فيها صعوبةً في تحدث بطلاقة، وكثيراً ما تنتج من سكتة دماغية. ويُفترض أن تنتج الحالة من أضرار تلحق بمنطقة بروكا Broca’s area، وهي منطقة في الفص الجبهي Anterior frontal lobe الأيسر للدماغ، متضمنة في معالجة اللغة. ولكن عند مسح أدمغة المصابين بحبسة بروكا، كثيراً ما يوجد التلف في مكان آخر. والأهم من ذلك أن هذه الاعتلالات الدماغية المختلفة تتعلق جميعها بالفص الجبهي الأيسر.

تخطيط العقل
في السنوات الأخيرة ربط فوكس بين العديد من الأعراض الطبية وبين الشبكات الدماغية المختلفة، وذلك باستخدام خريطة لارتباطات الدماغ البشري أطلق عليها اسم الوصلات البشرية Human Connectome. وقد حوّل هو وزملاؤه اهتمامهم مؤخراً إلى السلوك الإجرامي. وبحث الفريق في الأدبيات الطبية عن تقارير مرضى كانوا مواطنين عاديين يحترمون القانون ثم تعرضوا لإصابة في الدماغ، مثل سكتة دماغية أو نزيف أو ورم في الدماغ، دفعتهم على ما يبدو إلى البدء في ارتكاب جرائم. وقد عثروا على سبعة عشر تقريراً لحالات كانت فيها الصور الدماغية جيدة بما فيه الكفاية بحيث يمكن إضافتها إلى خريطة الوصلات البشرية. وعلى الرغم من أن الأضرار لحقت بمناطق دماغية مختلفة لدى مختلف الأفراد، فقد أضيفت جميع اعتلالاتهم إلى شبكة مشتركة تُفعّل عندما يتخذ الأشخاص الأصحاء قرارات أخلاقية، مثل ما إذا كان من الجيد سرقة رغيف من الخبز حين تتضور عائلتك جوعاً.
وعلى الرغم من أن حالة معلم المدرسة لم تُدرج في تحليلهم، فإن فوكس يقول إنه على علم بها، ويضيف: «أظهر موقع الاعتلال صيغة الاتصال Connectivity profile نفسها التي تُظهرها الاعتلالات الأخرى المُدرجة في شبكتنا». وكذلك فعلت الإصابات التي لحقت بغيج. ولكن فوكس ينبه إلى ضرورة فحص العديد من المرضى الآخرين قبل أن يتمكنوا من التأكد من وجود شبكة دماغية يمكن ربطها بشكل موثوق فيه بالسلوك الإجرامي. ومع ذلك، فإذا كانت نتائجهم صحيحة، فقد تكون لها آثار اجتماعية وقانونية عميقة. وبالفعل، كان هناك عدد قليل من القضايا المعروضة على المحاكم البريطانية التي استخدمت فيها إصابات المتهم الدماغية أو حالته الصحية كعامل مخفف عند تحديد العقوبة أو استحقاقه للتعويض. ومن شأن اختبار موثوق به أن يسهّل اتخاذ مثل هذه القرارات. ويقول فوكس: «من الناحية النظرية، يمكنك أن تأخذ شبكتنا وتقول (هل يوجد الاعتلال ضمن هذه الشبكة أم لا،) وإذا لم يحدث ذلك، فمن المؤكد أنها ستقلل من فرص مساهمة هذا الاعتلال في السلوك الإجرامي».
في جميع أنحاء العالم تتحول المحاكم الآن إلى الأدلة العلمية العصبية في ضوء الأعداد المتزايدة من ادعاءات المتهمين بأن إصابة أو اضطرابا في الدماغ هو السبب وراء سلوكهم الإجرامي. ولكن ذلك لا يعمل دائماً لصالحهم: في قضية أمريكية، وصل رجل يدعى ريتشارد هودجز Richard Hodges إلى المحكمة للاعتراف بالسرقة وحيازة الكوكايين، لكنه بدا ضائعاً ومرتبكاً وطرح أسئلة غير ذات صلة. وقد دفع هذا القاضي إلى طلب تصوير دماغه وتقييمه عصبياً ونفسياً. الاستنتاج: كان هودجز يلفّق الأمر.

السجون والسجناء
ومع ذلك، قد تثير أبحاث مثل التي يجريها فوكس أسئلة حول كيفية التعامل مع المجرمين المصابين باضطرابات أقل وضوحاً في شبكاتهم الدماغية- ربما تنشأ أثناء نموهم أو نتيجة لإهمالهم كأطفال. «هل نعاملهم كمجرمين يلزم حبسهم وعزلهم عن المجتمع، أم نعاملهم كمرضى بحاجة إلى علاج لتحسين أعراضهم؟»
وفي الوقت الحالي، يبقى هذا السؤال نظريّاً إلى حد كبير: لا يوجد حتى الآن علاج فعال للاعتلال النفسي لدى البالغين، مثلا. ولكن بينما نتعلم المزيد عن التغيرات المستبطنة للسلوك المعادي للمجتمع، تزداد فرصنا في اكتشاف أحدها. وكثيراً ما تخطر أسئلة مماثلة بذهن الدكتور إيفان بيتمان Ivan Pitman. وبوصفه طبيباً نفسانيّاً إكلينيكيّاً أمضى حياته المهنية في العمل مع المجرمين، وبعضهم محتجز في مستشفى أشورث Ashworth Hospital في ميرسيسايد، تشير أبحاثه إلى أن إصابات الدماغ غير المشخصة قد تكون عاملاً مساهماً في القضايا الجنائية أكثر مما هو معترف به على نطاق واسع، وقد تعرقل أيضاً جهود إعادة التأهيل.
يضم مستشفى أشورث بعض أكثر سجناء المملكة المتحدة عنفاً؛ وهم رجال تقرر أن إجرامهم ناجم عن مرض عقلي- أي اضطراب كيميائي في الدماغ، يمكن تصحيحه بالأدوية. ويتساءل بيتمان عما إذا كان ينشأ في بعض الحالات عن إصابة مادية في الدماغ، وهو أمر يتعذر إصلاحه. ويقول: «بمجرد موت أنسجة الدماغ، فإنها تموت بالفعل. يتأقلم الدماغ عن طريق إيجاد مسارات جديدة لانتقال الإشارات، لكنها لا تكون أبداً بفعاليتها السابقة نفسها».
بدأ هو وزملاؤه بإعادة تقييم بعض أشرس السجناء في أشورث باستخدام مجموعة من الاختبارات المعرفية والصور الدماغية: كشف هذا عن تعرض كثير منهم في السابق لإصابات غير مشخصة في أدمغتهم. ولا يبرر هذا بالضرورة سلوكهم السيئ؛ بعد كل شيء، هناك الكثير من الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات دماغية لا يرتكبون جرائم. وأوضح بيتمان «لا تنضح إصابات الدماغ بالإجرام أو السلوك المعادي للمجتمع، لكن ما يمكن أن تفعله هو إزالة بعض المثبطات».
ومع ذلك، قد تفيد مشاهدة سلوك سجين من خلال عدسة إصابة الدماغ. ويقول بيتمان: «يعني هذا أن بوسعنا أن نبدأ بالنظر إلى الأمور بطريقة وظيفية أكثر: ليس أن هذا الشخص سيئ، أو أنه يحاول أن يضايقك أو يزعجك، لكن في الواقع، ربما لا يكون هذا الشخص مدركاً تماماً لما هو متوقع منه، ولا يفهم الأشياء بالطريقة نفسها التي تفهمها بها تماماً».
كما أن لذلك آثاراً في علاجهم. وكثيراً ما يبدو المصابون بإصابات في الدماغ أسوياء تماماً أثناء المحادثة، لكنهم قد يجدون صعوبة في فهم ما يقوله الناس لهم، كما قد يجدون صعوبة في أداء مهام متعددة أو في تحديد الأهداف أو اتخاذ القرارات- وهي ظاهرة تسمى مفارقة الفص الجبهي Frontal-lobe paradox.
وعندما يصاب شخص لم يرتكب جريمة بإصابة دماغية، يقيّمه فريق من علماء النفس والمعالجين المهنيين واختصاصيي العلاج الطبيعي للتعرف على هذا العجز ووضع استراتيجيات لمساعدته على ممارسة مهام الحياة اليومية. ولا تُجرى هذه التقييمات عادة عند إرسال أحدهم إلى مستشفى أو سجن مشدد الحراسة، حيث يتوقف علاجه وإعادة تأهيله غالباً على التدخلات النفسية- مثل تقنيات الاسترخاء وسبل العلاج بالتحدث- التي تتطلب المشاركة إذا أريد لها أن تكون فعالة. ويقول بيتمان: «علينا أن ندرك أن طريقة علاجهم هذه ربما لا تنجح بشكل جيد لأنهم غير قادرين على التعلم والاستجابة مثل الأشخاص الأصحاء. وتتمثل مهمتنا بتحديد العقبات التي يواجهونها وإيجاد طرق للتغلب عليها».
ينصب تركيز بيتمان حاليّاً على عموم السجناء. وكما كشفت دراسته للسجناء في سجن ليدز، فإن ما يصل إلى نصف السجناء ربما تعرضوا لإصابة سابقة في الدماغ. وعلى الرغم من أن العديد من هذه الإصابات خفيفة، فإن نحو %15 منها تكون متوسطة أو شديدة؛ مما يعني أن المصابين قد يجدون صعوبة في أداء المهام اليومية.
ويتعذر إصلاح الإصابات الدماغية، لكن في وجود البيئة المناسبة، يمكن للأفراد أن يتعلموا الالتفاف حولها إلى حد ما. ويقول بيتمان،: «إذا فشلنا في التعرف على أولئك الأشخاص، سيكون هناك خطر متمثل بظهور مزيد من الضحايا».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق