العلوم البيئيةالعلوم الطبيعية

حرائق الغابات الأسترالية: هل هناك ما يمكن فعله لوقف احتراق العالم؟

بيل ماكغويرBill McGuire
أستاذ فخري متخصص بالمخاطر الجيوفيزيائية والمناخية في يونيفرسيتي كوليدج لندن UCL، وهو مدير مشارك لمعهد الطقس الجديد New Weather Institute ومناصر لحركة علماء من أجل المسؤولية العالمية Scientists for Global Responsibility. سينشر فيلمه البيئي Skyseed في وقت لاحق من عام 2020.

على كوكبنا الذي تزداد حرارته، فإن حرائق الغابات حاليّاً هي واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية المرعبة والمكلفة من بين جميع الكوارث الطبيعية الأخرى. من كاليفورنيا إلى روسيا ومن أستراليا إلى المملكة المتحدة ومن غرينلاند إلى الأمازون، أدت درجات الحرارة القياسية وظروف الجفاف في السنوات الأخيرة إلى اندلاع حرائق حصدت أرواح مئات الأشخاص ودمرت آلاف الممتلكات، وفي بعض الحالات دمّرت مجتمعات بأكملها.

مشكلة الاحتراق
وقبل عامين أسفرت الحرائق الكبيرة في كاليفورنيا عن أشد مواسم الحرائق وأكثرها تدميراً على الإطلاق، إذ أسفر عنها أكثر من 80 حالة وفاة واحترق 750 ألف هكتار من الأراضي بتكلفة تقديرية بلغت 12 بليون دولار أمريكي (تسعة بليون جنيه إسترليني). وفي عام 2019 احترقت غابات الأمازون البرازيلية، وساعدت على اندلاعها حرائق أشعلها عمداً المزارعون وقاطعو الأشجار. وهذا العام، جاء دور أستراليا، حيث تواصل حرائق الغابات الأوسع انتشاراً في البلاد نشر الدمار. واعتباراً من منتصف يناير، وبصورة لا مثيل لها تحولت 8.5 مليون هكتار من الغابات إلى رماد – وهي مساحة تعادل مساحة النمسا – ويُتوقع أن ترتفع التكلفة إلى أكثر من 5 مليون دولار أسترالي (2.6 بليون جنيه إسترليني)، إذ لا تزال هناك أشهر قبل أن ينقضي موسم الحرائق. وهناك تكاليف أخرى أيضاً. ففي حين أن شجيرات الغابات وغابات الأوكالبتوس تتمتع بقدرة خاصة على مقاومة الحرائق وسوف تتعافى قريباً، لا ينطبق الأمر نفسه على حيواناتها. ويعتقد أن الحرائق أودت بحياة أكثر من بليون حيوان وهذا قد يكون له تأثير طويل المدى في مجموعات الكوالا المعرضة للخطر وغيرها من الأنواع غير المحصنة Vulnerable species.
وعند النظر إلى صور وفيلم الحرائق الأسترالية، يتكون لدينا بسهولة الانطباع أنه لا يمكن إيقافها؛ وأنه لا يمكن فعل شيء لاحتوائها والحد من الدمار الذي تسببه، لكن ليست الحال كذلك. وفي حين أن مكافحة الحرائق الكبيرة عندما تكون في أقصى انتشارها ليست بالمعركة التي يمكن كسبها، فإنه يمكن اتخاذ تدابير مسبقة لمحاولة إدارة حدوث الحرائق والحد من قدرتها على الانتشار والتوسع لتصبح حرائق هائلة يكاد يكون من المستحيل السيطرة عليها. وهذه التدابير ليست جديدة. وفي الواقع، كان لدى سكان أستراليا الأصليون تاريخ طويل في إدارة الحرائق بنجاح. فعلى امتداد آلاف السنين، أدى السكان الأصليون الرُّحَّل دوراً رئيسيّاً في منع الحرائق من خلال حرق الغطاء النباتي السطحي Surface vegetation لتشكيل حواجز توقف الحرائق التي تندلع بشكل طبيعي بفعل البرق. فقد كانوا يشعلون هذه الحرائق خلال الأشهر الأكثر برودة، وذلك للحد من قدرتها على الانتشار، لتترك وراءها مساحات من الأرض خالية من بقايا النباتات الجافة التي تشكل وقوداً تلتهمه الحرائق الأكبر بكثير. ومع تناقص أعداد السكان الأصليين، وزوال نمط حياتهم، اختفت هذه الخدمة التي لا تقدّر بثمن التي كانوا يقدمونها.
لكن الآن، فإن المعنيون في قطاع إدارة الحرائق يأخذون مأخذ الجد هذه الممارسات التقليدية للبدء بما يسمى حرائق تحت السيطرة أو الحد من المخاطر. وتحققت بعض النجاحات الصغيرة في إدارة حرائق المناطق المغطاة بالشجيرات والأعشاب، وخصوصاً تلك التي جُمع فيها بين الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة بما في ذلك المسح الخرائطي بواسطة الأقمار الاصطناعية والإشعال الجوي الموجَّه باستخدام طائرات الهليكوبتر أو الدرونات (طائرات من دون طيار) Drones. وطُبِّقَت هذه الأفكار في أماكن أخرى. ففي فنزويلا يُستخدم مزيج من معرفة السكان الأصليين التقليدية والتقنيات الحديثة لإدارة الحرائق في حديقة كانايما الوطنية، بينما تُصدَّر الأساليب والإستراتيجيات المطبقة في أستراليا إلى أماكن بعيدة مثل بوتسوانا والبرازيل وكندا.

بلد صحراوي
هناك أشياء أخرى يمكن القيام بها أيضاً من أجل مكافحة الحرائق وتأثيراتها. فيمكن لنمذجات الحاسوب الأكثر تطوراً أن تتنبأ بالكيفية التي سيتطور وفقها الحريق؛ مما يتيح التخطيط على وجه أفضل لاستخدام موارد مكافحة الحرائق. ومع توسع المراكز الحضرية وصولا إلى المناطق البرية، حيث الحرائق أكثر شيوعاً؛ يصبح التلاقي بين الاثنين منطقة حرجة، يمكن للاستراتيجيات الوقائية الفعالة أن تساعد على الحفاظ على سلامة المباني فيها. وتشمل الاستراتيجيات الوقائية الحفاظ على منطقة واسعة خالية من النباتات حول الممتلكات، واستخدام مواد البناء المقاومة للحريق والحفاظ على مجاري وأنابيب التصريف خالية من المخلفات القابلة للاشتعال. ويمكن التقليل إلى أدنى حدٍّ من الإصابات والخسائر في الأرواح من خلال التخطيط مقدماً وتشييد عدة طرق للإجلاء ومع ضمان قدرة سيارات الإطفاء على الوصول إلى تلك الأماكن.
ومع ذلك، فإن هذه الطرق الرامية إلى التخفيف من المخاطر لا تزيد مجتمعة على كونها مجرد ضماد بلاستيكي. وعند النظر إلى المستقبل، تبدو التوقعات قاتمة في البلدان المعرضة للحرائق. وحتى مع التسلح بنماذج ومنهجيات جديدة، في الحرب المستمرة ضد حرائق الغابات، فمن المحتمل أن يناضل المعنيون لمجرد البقاء صامدين. فمع تسارع الاحترار العالمي، تتضافر درجات الحرارة غير المسبوقة مع ظروف الجفاف القاسية وشح إمدادات المياه لإشعال حرائق أكثر تدميراً.
كان 2019 العام في أستراليا الأكثر سخونة على الإطلاق والأكثر جفافاً منذ نحو 120 عاماً. وقد شهدت أكثر من ثلاثة أرباع البلاد في شهر ديسمبر أسوأ ظروف جوية مؤاتية للحرائق منذ بدء تسجيلها. ومع استمرار النيران مستعرة في غابات ناضجة بالكامل وفي الأدغال، تجدر الإشارة إلى أن أستراليا هي في الأساس صحراء مع عدد قليل من المناطق الخضراء على الأطراف. ومن غير المفاجئ أنه عندما تصبح ظروف كوكب الأرض الحارة هي القاعدة فإن هذه القطع الصغيرة تتحول إلى مساحات جافة وتحترق بفعل الحرارة والنار؛ مما يؤدي إلى طرح أسئلة حول مستقبل البلاد على المدى الطويل في عالم شديد السخونة. ربما صار أخيراً يعترف بها وإن كان بصوت خافت، إلا أن ذلك الاعتراف سيدفع منكري التغير المناخي المشاركين في عملية صنع القرار في البلد إلى إعادة النظر في وجهات نظرهم بشأن الانبعاثات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى