العلوم الاجتماعية

كفُّوا عن التطفّل

قبل مقابلة شخص جديد، هل تبحث على الإنترنت لمعرفة المزيد عنه؟ هذه ليست طريقة رائعة لبدء الحديث معه...

أليكس كروتوسكي Aleks Krotoski اختصاصية علم النفس الاجتماعي، ومقدمة برنامج “الإنسان الرقمي” Digital Human على محطة BBC الإذاعية الرابعة.

هل سبق لك أن بحثت عن معلومات عن أصدقائك عبر الإنترنت؟ أو تصفحت التحديثات الخاصة بهم، أو تتبعتهم وتقصيت حسابهم على الإنستغرام، أو قرأت مدوناتهم القديمة، أو حتى نقبت عميقاً لتجد أول صورة وضعوها على ملفهم الشخصي؟ كيف يمكن أن يجعلك ذلك تشعر؟ أقرب إليهم أم غريباً عنهم؟ تتصيد الفضائح أم تتلصص؟ أم أنك شخص يرفض من حيث المبدأ فعل ذلك، مفضلاً ترك الأصدقاء القدامى والجدد يكشفون عن هواياتهم، وما يفضلونه، وما لا يفضلونه، ويعبرون عن آرائهم بالإيقاع المناسب لهم؟
أنا أنتمي إلى المعسكر الأخير. أشعر بالذعر والاشمئزاز فعلاً عندما أكتشف أن شخصاً ما تحرى عني على الإنترنت، لذا أحاول ألا أفعل ذلك مع أي شخص آخر. ورد في مقال بقلم جوستين غانيو Justine Gangneux في عدد سبتمبر 2019 من مجلة الاتصالات والمجتمع والمعلومات Information, Communication & Society ما يشي بأنني غير عادية. إذ تكشف كيف صار من الطبيعي بالنسبة لمن هم في العشرينات من العمر وأصغر أن يتحروا عن أصدقاء جدد محتملين من خلال البحث في ملفاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي ومقارنتها بما يُنشر في حساباتهم الأخرى للتأكد من حصولهم على المعلومات الصحيحة.
لا أريد ملفاً عن شخص يعتقد أحد أصدقائي أني يجب أن أقابله. إذا اعتقد صديق أنني يجب أن أقابل شخصاً، فأنا أثق به. وأنا على ثقة من أن الشخص الذي سألتقي به سيتحدث عن الأشياء التي يجدها مثيرة للاهتمام، بدلاً من الانتظار حتى أطرح عليه أسئلة محددة.
لكنني كبيرة في السن، وغريبة بالنظر إلى نفوري من التحقق من الوقائع في الملفات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي. أفهم لماذا قد تفعلون ذلك. فقد كانت لدي صديقة قبل سنوات، كانت عازبةً وبصدد استكشاف المواعدة عبر الإنترنت. صادفت شخصاً شعرتْ بأنها تتفق معه وكانت تفكر في مقابلته. لكنها اكتشفت بعد ذلك من خلال القليل من التنقيب في ملفاته أن شريكته السابقة ونساء أخريات لا صلة بينهن، اتهمنه بالاعتداء جنسياً عليهن. هذا مثال جيد عن السبب الذي يجعلك ترغب في التحقق من شخص ما.
لكن ما كتبته غانيو يتجاوز الحفاظ على السلامة. فهي تشرح أن عمليات الفحص المسبق للمعارف المتبادلة تسمح للمتسلل إلى الحساب بتقدير ما إذا كان لقاء هذا الشخص سيكون مضيعة للوقت والعواطف أم لا. لأن مقابلة الشخص الخطأ لتناول القهوة لمدة 30 دقيقة فقد يكون محبطاً في حياتك المزدحمة.
إذ عبَّر من تركوا تعليقات على مقالها عن خوفهم من فجوات في المحادثات التي ستكون ممتلئة بأسئلة استيضاحية. وقد أرادوا تجنب الاضطرار إلى التعامل مع شخص لا يتفقون معه. اطلعوا على ملفات التعريف للتحقق من الانتماء السياسي، ومطابقة الموسيقى التي يحبها وجمع نقاط يمكن الحديث عنها. وهي أشياء يمكنك اكتشافها في 15 ثانية وجهاً لوجه، لكن يمكنها جعل الـ 29 دقيقة و45 ثانية المتبقية تبدو كأنها لا تنتهي.
إن المراقبة التي نؤديها نحن الهواة جميعنا (نعم، أنا من ضمنهم) تخفي الخوف من أن نكون عرضة للأذي Vulnerability، والنفور من الآراء المختلفة. هذه هي الطريقة التي تنتقل بها فقاعة التنقية عبر الإنترنت إلى الحياة خارج منصات التواصل. إنها أيضاً كيف نجد أنفسنا مصابين بكدمات عاطفية عندما نكتشف أن بقية العالم لا يفكر مثلنا.
لذا في المرة القادمة التي يغريك فيها القيام ببعض التنقيب، قاوم الأمر. واسمح للآخر بأن يكون مسؤولاً عن الاتجاه الذي تسير فيه المحادثة. قد تكتشف أنك منفتح على تعلم شيء جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى