أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
مراجعة

حشرات على حافة الهاوية: أين ذهبت كل الحشرات؟

هل لاحظتم وجود عدد أقل من الحشرات في حديقتكم في الآونة الأخيرة؟ لستم وحدكم. الحشرات في معظم أنحاء العالم قد تكون معرضة للموت. ونعم، نحن السبب... لكننا نمتلك أيضاً وسائل إنقاذها

شهد هذا العام شعوراً عاماً بالهلع انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب قلة الحشرات التي شوهدت خلال الربيع، إذ أشار عديد من علماء الطبيعة وعلماء الحشرات إلى أن أعدادها على ما يبدو أقل من قبل. إذن ما الذي يحدث في حياة الحشرات؟ هل هناك بالفعل عدد أقل من الحشرات في حدائقنا؟ وماذا يمكن أن يعني هذا للنظام الإيكولوجي الأوسع؟

ما الوضع الحالي بالنسبة إلى حياة الحشرات؟
الحقيقة المحزنة هي أننا ببساطة لا نعرف. لدينا نقص خطير في البيانات حول الاتجاهات طويلة المدى Long-term trends في مجموعات الحشرات في معظم أنحاء العالم. بالنظر إلى العدد الهائل من الأنواع – الذي ربما يصل إلى 10 ملايين – قد لا يكون ذلك مفاجئاً. ومع ذلك، ومنذ بضع سنوات، تميل عديد من الدراسات إلى الإشارة إلى الاتجاه العام التنازلي نفسه. تلك الحشرات التي نعرف كثيراً عنها، بعضها بخير، ولكنْ هناك تدهور في أعداد مجموعات معروفة من مختلف الأنواع، بما في ذلك الفراشات والعث واليعاسيب وبعض الخنافس وعديد من أنواع النحل.

اقترح مسح Survey جمع معلومات عن تجمعات الحشرات على لوحات أرقام السيارات في المملكة المتحدة أن عدد الحشرات الطائرة انخفض بنسبة 60% تقريباً من 2004 إلى 2021.

هل هذه بداية انخفاض في أعدادها على نطاق واسع؟
ربما. لكن لا يمكننا قول هذا بثقة بعد. يشير عديد من علماء الحشرات إلى أن الصيف الشديد الحرارة والجفاف في العام الماضي لهما تأثير على الأرجح في أعداد الحشرات، وهذه بالتأكيد فرضية جيدة يجدر فحصها.

من جهة أخرى أبلغ آخرون عن أعداد طبيعية للحشرات في بعض أجزاء البلاد. لمعرفة ما يحدث هذا العام بنحو مؤكد سيتعين علينا انتظار البيانات التي جمعتها دراسات طويلة المدى.

يمكن أن يكون للمبيدات الحشرية المستخدمة في الزراعة الصناعية تأثير ضار في تناقص أعداد الحشرات إلى جانب تلك التي تهدف إلى قتلها

ما نعرفه هو أننا ما زلنا نُسبب تدمير العالم الطبيعي في عديد من الأماكن، وأحياناً إلى حد خطير. يمكننا أيضاً أن نقول إنه على الرغم من بعض التحسينات وقصص النجاح، فإن الصورة العامة ليست إيجابية سواء كنا ننظر إلى الحشرات أو الثدييات أو الطيور أو الأسماك أو النباتات أو معظم مجموعات الكائنات الحية الأخرى. ومع ذلك فقد أثبتنا قدرتنا على عكس التدهور وتناقص أعداد الكائنات الحية عندما نريد ذلك. فمثلاً، عادت النمور إلى الهند ونيبال، بل وتضاعفت أعدادها.

المشكلة الكبيرة في حالة الحشرات هي أن الناس يبدون اهتماماً بها أقل بكثير مقارنةً بالثدييات الكبيرة جميلة التكوين مثل النمور.

ما سبب تراجع أعدادها؟
الحشرات متنوعة على نحو استثنائي وتعيش في مجموعة رائعة من الموائل Habitat. ليس من المستغرب وجود أنماط مختلفة وأسباب مختلفة لهذه الأنماط لدى مجموعات الحشرات المختلفة في معظم أنحاء العالم. ومع ذلك يمكننا إجراء بعض التعميمات.

إن فقدان الموائل وتدهورها نتيجة للتوسع البشري والتكثيف الزراعي هما من العوامل الرئيسة (يعد تلوث المياه والتربة من العوامل المهمة، ويمكن أن يؤثر استخدام المبيدات الحشرية أيضاً في تناقص أعداد بعض الحشرات تأثيراً كبيراً).

إلا أن تأثير تغير المناخ قد يكون أكثر تعقيداً، لأن بعض الأنواع يمكن أن تستفيد من ارتفاع حرارة المناخ وارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ولكن، بوجه عام، يبدو الأمر كأنه ينذر بالسوء للحشرات.

”يمكن أن يكون أحد أسباب [تناقص الحشرات] هو انخفاض القيمة الغذائية في النباتات المعرضة لمزيد من ثاني أكسيد الكربون في الجو“

قد يكون أحد الأسباب هو انخفاض القيمة الغذائية للنباتات المعرضة لمزيد من ثاني أكسيد الكربون في الجو، مما قد يضر بالنظام الغذائي للحشرات. على نحو مثير للقلق خلصت إحدى الدراسات الأمريكية في العام 2021 إلى أن عدد الجراد في كانساس ينخفض بنسبة 2% كل عام بسبب الجوع الناجم عن تغير المناخ.

تشير بعض الأبحاث أيضاً إلى أن الطقس الأكثر دفئاً يمكن أن يجعل النباتات ببساطة أقل جاذبية للحشرات. فمثلاً، وجدت دراسة فرنسية أن نباتات إكليل الجبل التي تلقت أمطاراً أقل من المعتاد بـ 30% ضاعت منها رائحة خفيفة إلى درجة أن النحل المستأنَس ابتعد عنها. لكن سواء أكان السبب تغير المناخ أم لا، لا شك أنه مهما كانت أسباب التراجع، فإننا نحن المسؤولون عن ذلك.

لماذا حياة الحشرات مهمة جداً؟
الحشرات هي مثل الغراء الإيكولوجي، تربط العالم الطبيعي بعضه ببعض. توجد الحشرات في جميع النظم الإيكولوجية الأرضية تقريباً وتشارك تقريباً في كل تفاعل إيكولوجي مهم. إنها حيوانات مفترسة وفرائس، وطفيليات، ومحللات Decomposers للمواد العضوية، وتعيد تدوير المغذيات Nutrient في الطبيعة، وملقحات، وموزعات للبذور، ومهويات للتربة، وأكثر من ذلك.

عندما نبدأ في إزالة هذا الغراء الإيكولوجي والتخلص منه، فإننا نجازف بإتلاف أو حتى تدمير البنية الطبيعية بكاملها. في بعض الحالات، كما هي الحال مع الملقحات في بعض الدراسات، نرى أنواعاً أخرى تأخذ الأمر على عاتقها وتتحمل المسؤولية.

لذلك، في حين نرى انخفاضاً في التنوع البيولوجي، لا نرى دائماً انخفاضاً في الوظيفة. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى يمكن للنظام أن يتحمل كل هذه الضغوط.

فكرة أن جميع الحشرات ستختفي مُبالَغ فيها. لكن فكرة أننا قد ننتهي بنظم إيكولوجية مستنفدة ومنهكة إلى حد كبير ولا يمكنها توفير ”الخدمات“ التي نحتاج إليها – مثل التلقيح وتدوير المغذيات – تبدو أقرب إلى التحقق حالياً عما كانت عليه قبل 20 عاماً.

على مدى السنوات المقبلة، يبدو أننا سنشهد مزيداً من التأثيرات السلبية. سنكون أفضل في اكتشافها، ونأمل أن نتحسن أيضاً في معالجتها.

هل توجد أي طريقة لعكس تناقص الحشرات؟
يمكننا الاضطلاعُ بأمور لإبطاء تدهور العالم الطبيعي الذي سببناه بل وعكسِ اتجاهه. لكن ذلك يتطلب منا التفكير بطرق أكثر نضجاً مما اعتدناه.

نتحدث في أكثر الأحيان عن ”إنقاذ“ نوع ما، أو عن شعورنا بالقلق بشأن مجموعة معينة (مثل الحشرات). يُعتبر هذا النهج رائعاً للتوعية وحشد التبرعات، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية.

الحقيقة هي أننا في حاجة إلى إنقاذ موائلها، وهي الأماكن التي يمكن أن تزدهر فيها الطبيعة. علينا أيضاً أن نبدأ التفكيرَ في العالم بأسره كموطن، وليس فقط في ”الأماكن البرية“ التي نراها في الأفلام الوثائقية عن الطبيعة.

يجب مشاركة مدننا وبلداتنا مع مساحات خضراء متنوعة بيولوجياً، مترابطة مع ”ممرات طبيعية“ وتنتشر فيها البرك والأشجار وغيرها من الميزات التي تدعم الطبيعة. نحتاج إلى تغيير ممارساتنا الزراعية على نحو يسمح بالتعايش بين إنتاج الغذاء والطبيعة. نحتاج أيضاً إلى الاستفادة من التطورات التكنولوجية التي تسمح لنا بإنتاج مزيد من الغذاء على مساحة أقل من الأراضي، لنترك مساحة أكبر للطبيعة.

يمكننا أن نفعل هذه الأشياء، لكن علينا أن نقرر أننا نريد الاضطلاع بها على المستوى المجتمعي. حتى الوقت الحالي نحن مجرد أطفال في محل حلويات عندما يتعلق الأمر باستخدام الكوكب. التدهور الذي نراه في العالم الطبيعي علامة على أن الوقت قد حان لنا لكي نبلغ سن الرشد.


البروفيسور آدم هارت Prof Adam Hart
آدم عالم حشرات من جامعة غلوسترشير University of Gloucestershire ويقدم برامج على BBC Radio 4 وBBC World Service

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى