الدماغالعقل / الذاكرة

3. الـــــذاكـــرة

تأتي الذاكرة في ثلاث نكهات، وقد تخون ثقتك

كما رأينا في القسم السابق، فإن التعلّم يحول التجربة إلى معرفة. لكن قدرتنا على تذكّر هذه المعلومات واستدعائها لاحقاً هي ما يجعل هذه المعرفة مفيدة، وهذا كله يعتمد على ذاكرتنا.
أدمغتنا انتقائية جدا فيما يتعلق بما تتذكره. معظم التجارب تمر بنا وتتلاشى في غياهب النسيان لأنه ليست هناك حاجة لحشو رؤوسنا بذكريات من غير المرجح أن تكون مفيدة.
عندما نتذكر الأشياء، فقد يكون النظام الذي نستخدمه واحدا من ثلاثة أنواع، يستخدم كل منها عملية دماغية مختلفة. تستخدم “الذاكرة العاملة” عصبونات سريعة الاستثارة لإبقاء المعلومات الجديدة في الذهن مؤقتاً للاستخدام الفوري، والذاكرة القصيرة المدى هي نظام منفصل يتضمن إجراء تغييرات مؤقتة على أنماط إطلاق الإشارات العصبية في الدماغ، في حين تعتمد الذاكرة الطويلة المدى على تغيرات دائمة في أنسجة الدماغ التي من غير المرجح أن تختفي حتى تموت الأنسجة نفسها أو تتلف.

مع تقدمنا ​​في العمر، تزداد صعوبة الاحتفاظ بالمعلومات في الذهن، لأن العصبونات التي تثبّط سبل تشتت الذهن تكون أقل كفاءة. وفي الوقت نفسه، فإن ترسيخ ذكريات جديدة طويلة الأجل يصبح أكثر صعوبة لأن أدمغتنا تكون أقل مرونة. وكذلك سنجد صعوبة في الوصول إلى المعلومات، حتى لو كنا تعلّمناها جيداً. قد يحدث هذا لأنه لم يعد لدينا مسارات مباشرة إليها. الذاكرة “تعتمد على الحالة” حيث يلزم تحفيزها بشيء يرتبط بها. فمثلا، قد يحتفظ المحامي المتقاعد بمعرفة كاملة بمجاله من القانون لكن لا يمكنه تذكّرها حتى يعود إلى مكتبه القديم أو إلى قاعة المحكمة القديمة. يُعد نسيان الأشياء التي نريد التمسك بها نوعاً من فشل الذاكرة. هناك نوع آخر هو الاستذكار غير الدقيق أو الملفق. إن تذكّر شيء حدث لك هو إعادة لمعايشته- إلى حد ما. إن تذكر يوم ممطر خلال عطلة، مثلا، يشتمل على نشاط في العصبونات الحسية، الذي أنتج أصلاً ذلك الشعور بقطرات الماء ومشهد المنظر الطبيعي الملبد بالغيوم، إلى جانب تلك التي أنتجت شعورا عاطفياً (خيبة أمل، ربما، بسبب عدم القدرة على الاستمتاع بالشاطئ). قد تفعّل العصبونات التي سجلت وجوه الأشخاص الذين كنت معهم مرة أخرى، جنبا إلى جنب مع تلك التي حفّزها الطعام الذي تتناوله.

على الرغم من أن هذا النشاط الدماغي يشبه الأنماط التي حدثت في ذلك الوقت، فإنه لا يتطابق معها أبداً. حتى عندما نفكر في الماضي، فإن دماغنا يحتفظ بعلامات تبويب للوقت الحاضر، لذلك لا تحفّز عصبوناتنا عن طريق الذاكرة فحسب، ولكن أيضاً بفعل الأصوات والمشاهد والروائح من حولنا. تُدمج هذه الأنماط معاً، لذا، ففي كل مرة نتذكر فيها إحدى الذكريات، نضيف إليها شيئاً من الحاضر. فمثلا، قد يتسبب تناول البيتزا أثناء تذكر ذلك اليوم الممطر في دخول البيتزا إلى الذكرى، بحيث قد تتذكر في المرة المقبلة تناول البيتزا ذات الأنواع الأربعة من الجبن أثناء هطول الأمطار خلال عطلة. تشويه الذاكرة من هذا القبيل هو أمر لا مفر منه، وهو خطير في بعض الأحيان. منذ عدة عقود، أوضحت عالمة النفس إليزابيث لوفتوس Elizabeth Loftus أنه يمكن زرع ذكريات خاطئة في أذهان الناس بسهولة مدهشة. والآن، اكتشف الباحثون تحريفاً جديداً: «عمى الاختيار» Choice Blindness، الذي يشير إلى فشل الناس في ملاحظة الوقت الذي تُزَوّر فيه إفاداتهم. ولذلك آثار كبيرة في مجال القانون الجنائي، الذي يعتمد على تقارير الشهود. في دراسة أجريت في عام 2016 في جامعة كاليفورنيا University of California، تعرّف متطوعون على الجاني في جريمة تمثيلية من طابور من المشتبه فيهم. وبعد يومين، دعوا لتأكيد اختيارهم، ولكن، دون تبليغهم، عُرضت عليهم صورة لشخص مختلف. وافق ثلثا المتطوعين على أن هذا هو الجاني الذي تعرفوا عليه أول مرة.
ولذلك من الواضح أن الذاكرة كائن متذبذب، وعلينا ألا نأخذ ذكرياتنا على أنها صحيحة تماما.

اضبط ذاكرتك

قد يفيد تناول الكثير من فيتامينات B (التي توجد في الحبوب الكاملة والبذور والمكسرات والفاصوليا). وهي تساعد العديد من وظائف الدماغ، بما في ذلك إنتاج الناقلات العصبية. وجدت إحدى الدراسات أن الجرعات العالية من فيتامينات B تقلص معدل انكماش الدماغ لدى الأشخاص الذين يعانون من مشكلات خفيفة في الذاكرة إلى النصف. لكن لم يتم بعد إثبات دور فيتامين B. (انظر: ص 15)

استخدم فنون الاستذكار مثل القوافي (‘30 يوماً لشهر سبتمبر’) والمختصرات (‘Richard Of York Gave Battle In Vain’)- وكلاهما من الطرق المجربة حتى لا تنسى المعلومات.

كوّن صورة ذهنية لمكان مألوف، مثل منزلك، وضع الأشياء التي تريد أن تتذكرها في غرفة حتى تتمكن من التجول ذهنياً في الصورة واكتشاف العناصر غير المألوفة التي خزنتها هناك- تماماً مثل “قصر الذهن” Mind palace في روايات شيرلوك هولمز.

اكتب قائمة بمهامك في كل صباح وراجعها بانتظام طوال اليوم، لتحديثها في ذهنك. .

رسّخ عاداتك مثل وضع مفاتيحك على حامل معين في كل مرة تعود فيها إلى المنزل. يؤدي هذا إلى إنشاء رابط في عقلك بين العناصر (مثل الحامل والمفاتيح)، بحيث عندما تحتاج إلى مفاتيحك، تتذكر الحامل تلقائياً، بدلاً من محاولة التذكر، في كل مرة، أين وضعتها في آخر مرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق