الدماغالعقل / الذاكرة

6. اتخاذ القرارات

ما يعرف بالإرادة الحرة وفعل الاختيار المشحون عاطفيا

كل قرار نتخذه نتوصل إليه عن طريق معالجة عصبية شديدة التعقيد. على الرغم من أنه يبدو أنك تمتلك الخيار، فإن الإجراء الذي “تقرر” اتخاذه يمليه بالكامل نشاط عصبي تلقائي. تظهر دراسات التصوير الدماغي أنه يمكن التنبؤ بنشاط شخص ما عن طريق نشاطه الدماغي لمدة تصل إلى 10 ثوان قبل أن يدرك هو نفسه أنه سيقدم على فعل ما.
لذلك انعكاسات هائلة على مفهومنا للإرادة الحرة، الذي ما زال العلماء والفلاسفة يجدون صعوبة في فهمه حتى اليوم. تُظهر دراسات علمية عصبية متعددة أنه حتى تلك القرارات المهمة التي يبدو أنها ناتجة عن تفكير عميق، تكون تلقائية تماماً مثل استجابات نفضة الركبة (مع كونها أكثر تعقيداً). يبدو أن الشعور بالإرادة Volition هو وهم ذكي ترتكبه أدمغتنا، وهذا الوهم مفيد لأنه يمنحنا شعوراً بالمسؤولية- ويؤدي بنا إلى تعديل سلوكنا وفقاً لذلك.
يبدأ اتخاذ القرار باللوزة المخية (Amygdala): وهي مركب من نواتين على شكل اللوزة، ومدفونتين في أعماق الدماغ، وتولّدان المشاعر. تسجل اللوزة المعلومات التي تتدفق عبر حواسنا وتستجيب لها خلال جزء من الثانية، فترسل إشاراتها إلى جميع أنحاء الدماغ. تنتج هذه الإشارات الرغبة في الركض، أو القتال، أو التجمّد أو القبض على الأشياء، وفقاً لكيفية تقدير اللوزة المخية للمحفزات المختلفة.
قبل أن نتصرف استجابة إلى إشارات اللوزة المخية، تعالج المعلومات عادة بواسطة مناطق دماغية أكثر تطوراً، بما في ذلك تلك التي تنتج الأفكار والمشاعر الواعية. تعمل المجالات المعنية بالتعرّف وفقا للأحداث الجارية، وتقارن تلك المعنية بالذاكرة بين التجارب السابقة، وتعمل تلك المعنية بالتعليل، والحكم والتخطيط وفقا لمخططات عمل مختلفة. إذا كنا محظوظين، سيتم اختيار وتنفيذ أفضل الخطط. ولكن إذا حدث أي خطأ في هذه العملية، فقد نتردد حائرين أو نفعل شيئاً سخيفاً.
تتميز مراحل اتخاذ القرار المختلفة بأنواع متباينة من النشاط الدماغي. تنتج الموجات السريعة (غاما)، التي تتراوح تردداتها بين 25 و 100 هيرتز، وعياً ثاقباً بالعوامل المتعددة التي يجب مراعاتها من أجل التوصل إلى قرار. إذا حاولت اختيار شطيرة، مثلا، فإن موجات غاما المتولدة في خلايا مختلفة داخل منطقة “التذوق” في الدماغ تجلب إلى الذهن وتقارن بين طعم اللحم المقدد، والحمص، والدقيق الكامل، والعجين الحامض Sourdough، إلخ. ومع أنه قد يبدو مفيداً أن تكون مدركاً للطيف الكامل من الخيارات، فإن كثيراً من المعلومات تجعل عملية اتخاذ القرار أكثر صعوبة، ولذلك تُستبعد العوامل غير المهمة بسرعة وبصورة لاواعية. عند طاولة بيع الشطائر، قد يحفّز خيار الجبن والطماطم أصغر موجة من الإثارة العصبية.
بعد هذه الزيادة المفاجئة في النشاط، التي تمثل مرحلة المقارنة، ينتقل الدماغ إلى نشاط الموجات البطيئة (من 12 إلى 30 هيرتز)، الذي يثبط معظم نشاط موجات غاما، تاركاً مجرد “نقطة ساخنة” واحدة من تلك الموجات التي تمثل الخيار المتخذ.
وعلى الرغم من عدم وجود «أنت» خارج دماغك لتوجيه ما تفعله، فبإمكانك مساعدته على اتخاذ قرارات جيدة عن طريق وضع نفسك في موقف يرجّح جَعْل العملية تسير بشكل أكثر سلاسة. إن أداء شيء محفز جسدياً أو عقلياً قبل اتخاذ قرار سيساعد عقلك على إصدار موجات غاما الأولية التي تولد الوعي بالخيارات المتنافسة. من ناحية أخرى، فإن فرط الاستثارة سيمنع التحول إلى الموجات الدماغية البطيئة، مما يجعل من الصعب جدا اتخاذ خيار ما. وكذلك فقد يؤدي تعريض نفسك لمشاعر جارفة إلى تسخين مسارات الاتصال من اللوزة المخية إلى مناطق الفعل في دماغك، مما يسبب سلوكاً مذعوراً أو متسرعاً.

اضبط اتخاذ قراراتك

ضع قائمة بالقرارات السيئة وابحث عن ارتباطاتها. هل كانت جميعها ضربا من التنازلات، مثلا، أم اتُخذت بتسرّع؟ عندما تتعرف على ارتباط ما، حلّل الاستراتيجية الذهنية التي استخدمتها، وحاول استخدام الاستراتيجية المعاكسة عن عمد لبعض الوقت. إذا بدا أن المشكلة ناجمة عن التسرع، مثلا، أخّر القرار، وكن مستعداً للتعرف على أي عوامل غامضة وصعبة الملاحظة تتبادر إلى الذهن.

مارس العصف الذهني قبل اتخاذ أي قرار، ثم فكّر في الأمر ملياً قبل التصرف. مثل التفكير الإبداعي، يستفيد اتخاذ القرار الجيد من التأمل اللاواعي، الذي يشرد فيه الدماغ، وينقّب عن الذكريات التي قد تكون مفيدة. النوم هو حالة تأملية قصوى، وقد تسهم أحلامك في أفكار مهمة تجعل قرارك أوضح عند الاستيقاظ.

تراجع ذهنيا عن الموقف واسأل نفسك عما قد يفعله الآخرون. سيجبر هذا عقلك على النظر إلى الموقف من منظور جديد، مما قد يكشف عن عوامل لم يسبق لك أخذها في الاعتبار.

دوّن خيارك المفضل، ثم أبرز الكلمات العاطفية. إذا حذفت الكلمات التي أبرزتها، فهل يظل القرار يبدو جيداً؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فهذه الكلمات هي أسبابك الحقيقية لاتخاذ القرار. قد تكون “الجاذبية” أو “الإثارة” من العوامل المهمة في اختيار شريك حياتك، لكنها ليست جيدة إذا كنت تختار محاسباً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

For security, use of Google's reCAPTCHA service is required which is subject to the Google Privacy Policy and Terms of Use.

I agree to these terms.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق