أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
فضاء

بعثة إلى عالم معدني صغير

هناك كويكب معدني عملاق يحوم أبعد من المريخ قد يكون نواة كوكب تحطم إلى قطع صغيرة قبل دهور بعيدة. ترسل وكالة ناسا مسباراً للتحقق من ذلك، لكن تأكيد هذه الفرضية قد يولّد مشكلات أكبر...

د. ستيوارت كلارك DR Stuart Clark

توقف لحظةً وتخيَّل كتلة ضخمة من المعدن، أكبر بـ 25 مرة من جبل إيفرست، تطفو في الفضاء. هل تجد صعوبة في استحضار الصورة؟ لا تقلق، لا أحد يستطيع ذلك؛ لأنه لم يسبق لأحد أن رأى مثل هذا الشيء من قُرب من قبل. لكننا بعد خمس سنوات من الآن، سنعرف كل شيء.
يناير 2026 هو الموعد المخطط أن تصل فيه مركبة فضائية جديدة تابعة لوكالة ناسا إلى كويكب سُمي سايكي Psyche على اسم إلهة الروح اليونانية. اكتشف سايكي في 17 مارس 1852 عالم الفلك الإيطالي أنيبال دي غاسباريس Annibale de Gasparis. إنه أحد أضخم الأجرام في حزام الكويكبات Asteroid belt بين المريخ والمشتري. وتشير التقديرات الحديثة إلى أنه يحتوي على نحو %1 من مجمل الكتلة المنتشرة عبر ملايين الكويكبات في حزام الكويكبات الرئيس. ومع ذلك فإن تكوين الكويكب هو ما يجعل سايكي مميزاً.
يشبه الكويكب الذي يبلغ قطره نحو 230 كم. حبة البطاطس، وتُعتبر كثافته مرتفعة جداً إلى درجة أن علماء الفلك يعتقدون أنه مكوَّن من المعدن. كذلك عندما يبحث علماء الفلك عن توقيع Signature المعادن الصخرية، بتحليل ضوء الشمس المرتد عن سطحه، لا يمكنهم العثور على أي من العلامات الدالة التي يبحثون عنها.
إذا كان سايكي معدنياً حقاً، وهو ما يبدو أنه لا يدعو تقريباً إلى الشك بعد كل الدراسات التي شملته، فقد يحمل أسراراً حول الطريقة التي تشكلت بها الكواكب، بما في ذلك الأرض، قبل 4.6 بليون سنة. والكشف عن تلك الأسرار هو ما تصبو إليه بعثة سايكي.

إثبات المنشأ
عندما ينصب تفكير علماء الفلك على الكيفية التي تشكل وفقها سايكي، هناك مكان واحد فقط يعرفون أنهم سيجدون فيه مثل هذه التركيزات من المعدن، وهو لبّ الكواكب الصخرية، مثل الأرض والمريخ وعوالم أخرى داخل
المجموعة الشمسية.
إذا استطعت أن تقطع شريحة عبر أحد هذه العوالم، فستجد لباً Core معدنياً، محاطاً بطبقة عميقة من السيليكات، تُعرف باسم الوشاح Mentle، ثم بقشرة Crust صخرية رقيقة. وفيما يتكون اللب في الأساس من الحديد والنيكل، يحتوي الوشاح على معادن الأوليفين Olivine في حين تتكون القشرة أساساً من البازلت. تتشكل هذه الطبقات خلال عملية تسمى التمايز Differentiation. يُعتقد أن التمايز يحدث في المراحل الأخيرة من تكوين الكواكب، عندما تكون الكواكب منصهرة. في هذه الحالة، تغوص المادة الكثيفة، مثل المعدن، نحو المركز في حين تطفو المادة الأخف، مثل الصخور، على السطح.
فهل يُعقَل أن سايكي كان ذات حين داخل كوكب وليد تحطم إلى قطع صغيرة في وقت مبكر من تاريخ المجموعة الشمسية؟ هذا ما صُممت بعثة سايكي للتحقق منه. إنه رهان عالي المخاطر، لأنه إذا تبينت صحة مثل هذا السيناريو، فسيكون على علماء الفلك توضيح أمور كثيرة.
تقول د. جوليا دي ليون Julia de Leon، عالمة الكويكبات من معهد أستروفيسيكا دي كانارياس Instituto de Astrofisica de Canarias، في لا بالما، والمشاركة في مشروع نمذجة الأجرام القريبة من الأرض وحمولات الحماية Near Earth Object Modelling and Payloads for Protection (اختصاراً: المشروع NEO-MAPP): “إنها تُسمى معضلة الوشاح المفقود Missing mantle problem”.
وتشرح الحجة قائلةً: إذا كان سايكي حقاً جزءاً من قلب كوكب محطم، فأين بقية الحطام؟ معظم الكويكبات في المجموعة الشمسية هي أجرام بدائية غير متمايزة. نرى عدداً قليلاً جداً من الكويكبات الغنية بالأوليفين والتي قد تمثل مادة وشاح عالم ممزق.
لا تقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ إن جزءاً كبيراً من النيازك التي تسقط على الأرض منذ أبد الدهر تتكون في الأساس من الحديد، تماماً كما هو متوقع أن تكون عليه أجزاء قلب عالم متقطع. ولكن عندما يحللها العلماء بحثاً عن آثار مواد كيميائية أخرى، فإنهم يحصلون على نتائج متنوعة جداً إلى درجةٍ صادمة.
تقول دي ليون: “يقترح التحليل أن النيازك الحديدية ربما أتت من 50 أو 60 نواة مختلفة على الأقل”.
ظاهرياً، هذا يعني أن 50 أو 60 كوكباً تحطم إلى أشلاء أثناء تكوُّن المجموعة الشمسية. ويبدو هذا الكم أكثر من اللازم نظراً إلى أن علماء الفلك لا يستطيعون العثور على ما يكفي من شظايا الوشاح، لتكوين واحد من هذه العوالم المنكوبة ليس إلا. هذا هو اللغز الذي سيتعين على بعثة سايكي أن تعمل على الإجابة عنه.

تفسير بديل
بدأ العمل على تخطيط مسار البعثة قبل عقد من الزمن، عندما ألقت د. ليندي إلكينز-تانتون Lindy Elkins-Tanton، عالمة الكواكب من جامعة ولاية أريزونا Arizona State University، محاضرة في مؤتمر القمر والكواكب Lunar and Planetary Conference في الولايات المتحدة الأمريكية، وعرضت مع زملائها فرضية جديدة للتمايز. فمن وجهة نظرها، يمكن للكويكبات الأصغر- بدلاً من الكواكب المكتملة تقريباً- أن تولد حرارة كافية لبدء عملية الانصهار والتمايز على الأقل.
كان مفتاح الفكرة هو الدليلَ المتزايد على وجود وفرة من الألومنيوم26-، وهو نظير مشع Radioactive isotope ينتج لدى انفجار النجوم، وهو موجود منذ نشأة المجموعة الشمسية. وقد أشارت إلى أن نجماً قريباً انفجر قبل وقت قصير من بدء تكوين المجموعة الشمسية.
عندما تشكلت تلك الكواكب الصغيرة الأولى، احتوت بنحو طبيعي على كميات من الألومنيوم المشع، ومثل أي نظير، سيولد اضمحلاله الحرارة. أدت هذه الحرارة بعد ذلك إلى إذابة الأجزاء الداخلية لبعض الكواكب الصغيرة، مما سمح لها بالتمايز من الداخل، ولكن إلكينز تانتون ترى أنها ربما لم تكن منصهرة تماماً، ومن ثمّ بقي الجزء الخارجي غير متمايز.
ومن ثم عندما تحطمت هذه الكويكبات خلال تصادمات لاحقة، كشفت عن نوى حديدية، لكن الصخور المحيطة ظلت تبدو بدائية، وهذا يقدم حلاً لمعضلة الوشاح المفقود.
أثارت الفكرة نقاشاً جيداً في المؤتمر وعرضاً غير متوقع. فقد أرسل إليها اثنان من العلماء من مختبر الدفع النفاث Jet Propulsion Laboratory رسالة مفاجئة بالبريد الإلكتروني قالا فيها إنهما يرغبان في اقتراح بعثة لاختبار الفرضية. تقول إلكينز-تانتون [إن فحوى تلك الرسالة كان]: “فلنذهب إلى حزام الكويكبات ونتحقق مما إذا كان في وسعنا أن نعرف إن حدث هذا وأين حدث”.
وكانت تلك بداية البعثة. صارت إلكينز-تانتون الباحثة الرئيسة وهي حالياً في المراحل النهائية من توجيه البعثة حتى موعد إطلاقها، في أغسطس 2022.

لا يشبه أيَّ شيء رأيناه من قبل
ستكون البعثة مجهزة بمجموعة من الأدوات العلمية. فهي ستحمل أداة تصوير متعددة الأطياف Multispectral imager يمكنها التقاط صور عالية الدقة بأطوال موجية Wavelengths متنوعة. سيسمح هذا للفريق بتحديد وتمييز مناطق المعادن والصخور المكشوفة على سطح سايكي. نظراً إلى أن أحداً لم يرَ كويكباً من هذا النوع من قبل، لا أحد يعرف كيف سيبدو.
تقول إلكينز-تانتون: “لا أطيق الانتظار لأرى كيف يبدو سطح سايكي. قد يكون حقاً غير عادي وغريباً. آمل أن يبدو غريباً تماماً”.
يمكن أن تظهر الصور مساحات كبيرة من المعدن المكشوف. في هذه الحالة، قد تبدو الحفر التي تغطي الكويكبات الأخرى غريبة هنا، لأن الاصطدامات تحدث بنحو مختلف في المعدن عن الصخر. تقول إلكينز-تانتون: “نتوقع رؤية بعض الأشكال الغريبة جداً”.
كما يمكن توقع أن تكون الصخور المسحوقة، المعروفة باسم ريغوليث (التربة) Regolith التي نشأت خلال مثل هذه الصدمات، مفقودة على سايكي لأنه ليس من الواضح ما إذا كان المعدن يمكن أن يشكل الريغوليث. كل هذا يجعل التنبؤ بالشكل الذي سيبدو عليه الكويكب صعباً جداً.
هناك أيضاً مقياس طيف أشعة غاما والنيترون Gamma ray and neutron spectrometer الذي سيقيس العناصر الكيميائية على سطح سايكي، مما يمنحنا تقديراً لتكوينه العام. هذه هي البيانات التي تنتظرها دي ليون بلهفة أكبر لأنه في حين أن آلة التصوير متعددة الأطياف ستحدد المناطق الصخرية والمعدنية، سيتعرف مقياس الطيف على تركيب المعدن ويكشف ما حدث له. تقول: “التحليل الكيميائي وحده يمكن أن يخبرك بهذه المعلومات”.
ثم هناك مقياس المغناطيسية الذي سيكتشف إن كان لسايكي مجال مغناطيسي، وهو أمر حاسم لفهم ماضيه. والسبب هو أن لب الحديد المنصهر يعمل مثل دينامو ويولد مجالاً مغناطيسياً. يحدث هذا تحت أقدامنا في قلب الأرض حتى في الوقت الحالي.
مع إشعاع الطاقة من اللب وتصلبه، ستحتفظ أجزاء من كتلة الحديد الصلبة الناتجة عن ذلك ببصمة ذاك المجال المغناطيسي. تقول إلكينز-تانتون: “إذا وجدنا ذاك المجال المغناطيسي القوي في سايكي، فسنعرف على الفور أنه كان جزءاً من اللب، وهنا يمكننا البناء على ذلك… من ثم، سيكون رائعاً أن نكتشف ذلك على الفور”.
ستكون مهمتهم صعبة بالتأكيد. ليس عليهم فقط التحقيق في منشأ سايكي، ومحاولة تفسير معضلة الوشاح المفقود، بل هناك أيضاً عائلة من النيازك التي ربما أتت من الجرم الأم نفسه مثل سايكي. تُسمى هذه النيازك سي بي كوندريتيات CB chondrites وبها نسبة عالية جداً من المعدن المحيط بقطرات مستديرة من الصخور. تقول إحدى الأفكار المطروحة أنها “تناثرت” من الارتطامات نفسها التي انبثق عنها سايكي.
إنها لفكرة رائعة أن تجعلنا بعثات مثل سايكي في وضع يسمح لنا بفحص حزام الكويكبات بمثل هذه الدقة؛ فنحن لن يتاح لنا فقط أن نفهم العملية العامة لتشكيل الكواكب، بل سنكون أيضاً قادرين على ربط أجرام مختلفة بأحداث محددة، وربطها بعضها ببعض.
الفكرة الأخرى المدهشة حول هذه البعثة هي الاستعداد لما هو غير متوقع. كما تقول إلكينز-تانتون: “الشيء الذي سأضيفه هنا والذي أضيفه دائماً، هو أنه من شبه المؤكد أن كل ما أقوله لك حالياً خطأ؛ وأن سايكي سيفاجئنا وسيخبرنا أنه شيء مختلف تماماً”.
في نهاية الأمر، ربما في هذا يكمن جمال العلم.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى