أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
تعليق

من يخشى تفرُّد الانفجار الكبير؟

الانفجار الكبير يمثل بدء الكون، أليس كذلك؟ لكن الفيزيائيين الذين يتمتعون بشجاعة كافية للنظر إلى ما هو أبعد منه ليسوا واثقين بذلك

لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟ هذا السؤال العميق يكمن في صميم العلم والفلسفة، ويدعونا إلى استكشاف أصول وجودنا.

في مجال نظرية التطور Evolutionary theory، نحن نفهم أن كل أشكال الحياة على الأرض يمكن إرجاعها إلى سلف مشترك يعرف بالسلف العالمي المشترك الأخير Last Universal Common Ancestor (اختصاراً: السلف LUCA). البحث عن السلف LUCA يأسر الباحثين الذين يبحثون عن أصل الحياة. لكن فضولنا لا ينتهي عند هذا الحد. يمكننا أن نتعمق أكثر في أصول الأرض نفسها، والكون من حولها.

من منظور كوني، نكتشف علاقة مذهلة بين ولادة النجوم وتكوين الكواكب وتوسُّع الكون. تتكشف معزوفة أو رقصة ولادة الكون من خلال تفاعل دقيق بين معدل توسع الكون، وانهيار جاذبية المادة المعتمة، والتقاط الهيدروجين، العنصر الواهب للحياة الضروري لتكوين النجوم. ولولا هذا التصميم الكوريوغرافي الكوني المعقد، لما ظهرت الحياة كما نعرفها إلى الوجود.

وهكذا تبدأ قصة أصلنا الكوني بسؤال أساسي: ما أصل الزمكان Space-time المتوسع للكون؟

يُشار غالباً إلى النموذج السائد للكون المتوسع باسم علم كون الانفجار الكبير Big Bang Cosmology. صاغ هذه النظرية عالم الفلك الإنجليزي فريد هويل Fred Hoyle وطرحها عبر إذاعة بي بي سي في مارس 1949، وتشير إلى أن كل المادة في الكون نشأت من انفجار هائل في وقت محدد في الماضي السحيق.

إن فكرة الكون المتوسع تدعمها نظرية آينشتاين للنسبية العامة التي اجتازت عديداً من الاختبارات بنجاح، والتي تصور الزمكان كوسط مرن قادر على الانحناء والتوسع والانهيار. لو أنه تسنت لنا إعادة الشريط الكوني إلى الوراء، لشهدنا انكماش الكون إلى نقطة متناهية الصغر ذات درجة حرارة وطاقة وانحناء للزمكان لا نهائية – وهو حدث يُعرف باسم تفرد الانفجار الكبير Big Bang singularity.

كرّس ستيفن هوكينغ Stephen Hawking وزملاؤه كثيراً من حياتهم المهنية لفهم الطبيعة المحيرة لهذا التفرد. ففي نهاية المطاف إذا كان كل شيء، بما في ذلك الزمن نفسه، قد نشأ عند الانفجار الكبير، فكيف يمكننا مناقشة ما حدث قبل وجود الزمن؟

”لحسن الحظ امتلك عدد من علماء الكون الجرأة للنظر إلى ما هو أبعد من تفرد الانفجار الكبير“

لحسن الحظ امتلك عدد من علماء الكون الجرأة للنظر إلى ما هو أبعد من تفرد الانفجار الكبير، باحثين عن تفسيرات بديلة تتجاوز ألغاز اللانهايات وأصل الزمن.

تشير إحدى الأفكار المثيرة للاهتمام إلى أن الحقبة الكونية التي سبقت الانفجار الكبير أدت إلى ظهور نموذج فيزيائي جديد، حل محل التفرد بنحو فعال. نحن نعلم أن نظرية آينشتاين تلتزم بمبادئ الفيزياء الكلاسيكية، لذا فإن إحدى طرق الهروب المعقولة تنطوي على وجود ”جسر“ كمي يربط الكون المتوسع بكون ينهار إلى حد الانفجار الكبير – وهو حدث يُشار إليه عادة باسم الارتداد الكبير Big Bounce.

يتطلب استكشاف هذا المسار توسيع نظرية آينشتاين لتشمل عالم الجاذبية (الكمومية) الكمّيّة Quantum gravity، وتوفر كل من نظرية الأوتار String theory والجاذبية الكمّيّة الحلقية متغيرات محتملة للارتداد الكبير في إطار الجاذبية الكمومية.

في مقال سابق تطرقت إلى النموذج الفكري للتضخم الكوني Paradigm of cosmic inflation، وهي فترة من التوسع السريع التي تحمل روابط رائعة بأشياء مثل الخلفية الكونية الميكروية Cosmic microwave background وأصل البنية Structure في الكون. لكن النظريات الرياضياتية التي وضعها هوكينغ وروجر بنروز Roger Penrose تكشف أن التضخم فشل في الهروب من التفردات الأولية الموجودة في الانفجار الكبير.

في الواقع التضخمُ نفسه يستسلم لتفرد الانفجار الكبير الخاص به!

إحدى الأفكار التي تأسر مخيلتي هي مفهوم التضخم Cyclic inflation، وهو إطار يجمع بين التضخم الكوني وفكرة الانهيار والتوسع Cyclic collapse and expansion، أو الارتدادات Bounces. هذه الفكرة الجذابة التي ابتكرناها أنا وباحث ما بعد الدكتوراه السابق د. تيرثابير بيسواس Tirthabir Biswas، تشير إلى أن الكون يمر بدورات لا حصر لها من الانهيار والتوسع.

بعد دورة حرجة، مع تراكم إنتروبيا Entropy كافية، يشهد الكون تسارعاً سريعاً في الزمكان يُعرف باسم التضخم Inflation. ومن خلال دمج دورات الارتداد، فإن التضخم الدوري يحتضن فوائد التضخم في حين يقدم إمكانية الهروب من تفرد الانفجار الكبير.

ومع عدم تخوف علماء الكون من النظر إلى ما وراء حدود الانفجار الكبير، فإن التحدي المثير الكامن أمامنا هو: تحديد التنبؤات الرصدية التي تميز بين هذه النماذج المتنافسة للكون المبكر وأصولنا. تحمل هذه التنبؤات المميزة المفتاح لتحديد النموذج الذي يصف بدقة أصول وجودنا.

شخصياً أجد تلميحاً مثيراً في حقيقة أن الثقوب السوداء فائقة الكتلة تبدو كأنها تتشكل في وقت مبكر جداً لا يمكن تفسيرها من قِبل نموذجنا الكوني القياسي Cosmological standard model الحالي. ربما يمكن لنموذج ارتدادي أو دوري محدد أن يفسر على نحو أنيق هذا الشذوذ الكوني؟

كلما تقدمنا في هذه الرحلة الفكرية، يتكشف مزيد من ألغاز أصولنا الكونية، مما يدعونا إلى التعمق أكثر في نسيج الكون الغامض. ومع كل اكتشاف نقترب أكثر من كشف الأسرار التي تنير وجودنا وتسلط الضوء على السؤال الخالد: لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء؟

ستيفون ألكسندر (@stephstem) ستيفون أستاذ الفيزياء من جامعة براون Brown University، ومؤلف وعازف بارع لموسيقى الجاز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى