أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
اكتشافاتتعليق

الإرهاق يجعلنا أقل لطفاً

يُعَد فهم مشاعر الآخرين جزءاً أساسياً من كوننا بشراً. ولكن حتى نعتني بالآخرين، يجب علينا أولاً أن نعتني بأنفسنا

إنّ التعاطف هو صفة إنسانية مهمة جداً بالنسبة إلينا جميعاً لنكون قادرين على تطوير سلوكيات اجتماعية إيجابية، وبناء علاقات هادفة، وعلاقات حميمية، والحفاظ عليها. يمكننا حتى أن نجادل بأن التعاطف هو الغراء الذي يربط مكونات المجتمع بعضَها ببعض.

يمكن أن يساعد التعاطف على بناء بوصلتنا الأخلاقية، وهو مقياس لسلوكنا تجاه الآخرين. لقد ثبت أن قدرتنا على أن نكون متعاطفين مفيدة لصحتنا النفسية والعاطفية، وتساهم في قدرتنا على التعامل مع المواقف الصعبة عاطفياً. لذلك من الضروري أن نفعل كل ما في وسعنا لنكون أكثر تعاطفاً.

واتضح أن الحصول على ليلة نوم هانئة أساسي لذلك. أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مجلة PLOS Biology أن قلة النوم تقلل من احتمال أن نساعد الآخرين، أو تجعلنا أقل استعداداً لإظهار التعاطف تجاههم، ومن ثمّ تؤثر في تفاعلاتنا الاجتماعية. وضع باحثون من معهد العلوم العصبية Neuroscience Institute في جامعة كاليفورنيا University of California، بيركلي، متطوعين في ماسح الرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI، مرة بعد أن ناموا ثماني ساعات، ومرة بعد أن قضوا ليلتهم بلا نوم. ووجدوا أن أجزاء رئيسة من الدماغ مسؤولة عن التعاطف صارت أقل نشاطاً بعد قلة النوم. هذه الأجزاء هي على وجه التحديد تلك الموجودة في ما يسمى بـ”شبكة الإدراك الاجتماعي“ Social cognition network – وهي منطقة من الدماغ تتكون من قشرة الفص الجبهي والتلم الصدغي المتوسط العلوي والتقاطع الصدغي الجداري Mid and superior temporal sulcus. سبق أن ثبت أن هذه الشبكة تَنشَط عندما نفكر في الحالات الذهنية للآخرين واحتياجاتهم ووجهات نظرهم.

ليست كمية النوم وحدها هي التي لها تأثير على ما يبدو، بل جودته أيضاً. بعد ذلك طلب الفريق إلى 100 فرد تسجيل جودة نومهم، بما في ذلك عوامل مثل عدد المرات التي استيقظوا فيها خلال الليل، ثم اختبروا استعدادهم لأداء مهام معينة مثل فتح باب المصعد لشخص غريب.

”انخفاض جودة نوم شخص ما يؤدي إلى انخفاض كبير في رغبته في مساعدة الآخرين في اليوم اللاحق“

ووجدوا أن انخفاض جودة نوم شخص ما أدى إلى انخفاض كبير في رغبته في مساعدة الآخرين في اليوم اللاحق – كان %78 من المشاركين الذين شاركوا في التجربة أقل استعداداً لتقديم يد العون بعد نوم غير كافٍ.

وأشار الباحثون أيضاً إلى أن هناك انخفاضاً بنسبة %10 في التبرعات للجمعيات الخيرية بعد تقديم الساعة في مناطق الولايات المتحدة التي تتبع التوقيت الصيفي، مقارنة بالمناطق التي لا تُقدم فيها الساعة. ويقترحون أن هذا قد يكون بسبب احتمال فقدان ساعة من النوم عندما تتغير الساعة. لذا من الواضح أن الحصول على نوم جيد أمر ضروري لنكون قادرين على التعاطف مع الآخرين.

وبالمثل نظرت مراجعة منهجية لعشر دراسات في العلاقة بين الإرهاق المهني لدى أفراد طاقم الرعاية الصحية وقدرتهم على التعاطف. وأظهرت 8 من أصل 10 دراسات أن أولئك الذين يعانون الإرهاق كانوا أقل قدرة على إظهار التعاطف.

لذلك إذا لم نعتنِ بأنفسنا وصحتنا الذهنية والاحتياطي العاطفي لدينا، فلن نكون قادرين على الاعتناء بأشخاص آخرين أيضاً. تبدو عبارة ”ضع قناع الأكسجين الخاص بك أولاً“ وثيقة الصلة تماماً بقدرتنا على التعاطف مع الآخرين ومساعدتهم، وكذلك مع المجتمع ككل. ربما لا يمثل هذا أمراً مفاجئاً، بالنظر إلى أن المجتمع يتكون من أفراد يسهمون بتصوراتهم ومشكلاتهم ومهاراتهم.

مثلما نعكس ونحاكي مشاعر الآخرين وتعبيراتهم عندما نظهر التعاطف، فإن مجتمعاتنا هي في الحقيقة انعكاس لمدى ما نعتني به جميعنا بأنفسنا. لذلك من الأفضل الخلود إلى النوم باكراً إذن.

د. رادا مودغيل (@DrRadhaModgil)

رادا طبيبة في النظام الصحي الوطني NHS في المملكة المتحدة، ومذيعة وناشطة من أجل الرفاهية. وهي الخبيرة الطبية في برنامج Life Hacks على إذاعة BBC Radio 1. صدر حالياً كتابُها الأول بعنوان: تعرَّفْ على قوتك الذاتية Know Your Own Power (منشورات: Yellow Kite).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى