الدماغعلم الإنسانمقابلات

الدماغ في ظروف انعدام الوزن

مع الاقتراب من تنظيم رحلات تجارية إلى الفضاء، يتسابق العلماء لفهم ما الذي يعنيه الوجود خارج الأرض بالنسبة إلى جسم الإنسان. وتريد د. إليسا رافايلا فيريه Elisa Raffaella Ferrè، عالمة نفس، أن تعرف كيف ستُغير الجاذبية، أو انعدامها، طريقةَ تفكيرنا.

الدكتورة إليسا رافائيلا فيريه
إليسا هي محاضر أول في علم النفس ومدير مختبر التجسيد الدهليزي متعدد الحواس (VeME) في رويال هولواي، جامعة لندن University of London.
أخذها عملها من المختبر إلى السماء في رحلات انعدام الجاذبية، وفي اتجاهات أكثر غرابة من خلال التعاون مع الفنانين والموسيقيين وسلسلة يوغا الفضاء Space Yoga على قناة غوريللا ساينس Guerilla Science على اليوتيوب YouTube.

أجرت معها المقابلة إيمي باريت Amy Barrett.
تصوير: أندرو كوتِريلز Andrew Cotterills

يبحث عملك في تأثير الجاذبية في الدماغ. لماذا نحتاج إلى دراسة هذا الموضوع؟

هذا سؤال جيد جداً وفي الوقت المناسب. في العام الماضي احتفلنا بالذكرى الخمسين لهبوط أبولو على القمر. وقبل خمسين عاماً، كان لدينا أناس شجعان يذهبون إلى الفضاء الخارجي دون معرفة ما الذي يقومون به، ولقد تأقلموا مع ذلك. وقد قاموا بعمل رائع. لكننا في بداية عصر فضائي جديد. سترسل ناسا رواد فضاء إلى المريخ في غضون 20 عاماً، وستصير رحلة الفضاء التجارية حقيقة واقعة. قريباً، سوف يكون بمقدورك شراء تذكرة للذهاب إلى الفضاء الخارجي، والاستمتاع بالرحلة، والعودة. وتجربة الوجود في الفضاء الخارجي رائعة، لكن ليس من السهل على أجسامنا وعقولنا التعامل مع انعدام الجاذبية الأرضية. وفهم كيف تؤثر الجاذبية في دماغنا أمر ضروري قبل أن نمضي في ذلك الاتجاه.

عندما نكون على الأرض، هل يكون للجاذبية تأثير في تفكيرنا في طرق لا ندركها؟

نعم. لا يزال تأثير الجاذبية في الإدراك البشري مهملاً في علم النفس وعلم الأعصاب. فقد ركزنا على الكثير من الجوانب الأخرى لإدراكنا، مثل كيفية إدراكنا للون ما ومدى قدرتنا على إدراك الأصوات.

الجاذبية هي إشارة حسية. جاذبية الأرض هي تسارع ثابت قدره 9.807 متر/ثانية²، أي 1g. لكننا لا نستطيع أن نشعر بها. تستطيع أن ترى لوناً، يمكنك سماع أغنية، ويمكنك تحديد وجود بعوضة على جلدك، لكنك لا ترى الجاذبية. ومع ذلك، فإن الجاذبية هي الإشارة الحسية الأكثر ثباتاً في الدماغ وتساهم بصمت في الكثير من الأشياء المختلفة في حياتنا اليومية، مثل المشي والقفز ورفع الأشياء، وغير ذلك.

لقد تطورنا في بيئة أرضية في ظل تسارع ثابت قدره 1g. وتراقب الحُصيّات الأذنية الدهليزية Vestibular otoliths، وهي مستقبلات دقيقة ومتطورة داخل الأذن الداخلية، حجم واتجاه تسارع الجاذبية باستمرار. وتتضح أهمية الجاذبية للسلوك عندما نكون في مكان لا يوجد فيه تسارع الجاذبية المعتاد، مثل الفضاء الخارجي. وفي حالة انعدام الوزن، يتعين على الدماغ البشري أن يتكيف مع حقيقة أن تسارع 1g المألوف لم يعد موجوداً. ولهذا السبب ليس من السهل أن يكون الإنسان في الفضاء الخارجي. وغالباً ما يبلّغ رواد الفضاء عن دوار الحركة الفضائية Space motion sickness. تخيل أسوأ دوار أصابك وأنت في السيارة، اضربه الآن بعشرة أو أكثر. هذا هو! يحدث هذا بسبب عدم وجود الجاذبية: يستغرق المخ بعض الوقت للتكيف مع بيئة الجاذبية الجديدة.

هذا مجال بحثي فتيّ، أليس كذلك؟

نعم. إنه كذلك، وهو مجال بحث غير عادي إلى حد كبير. ومقارنة بالطرق الحسية الأخرى فإن معرفتنا بالجاذبية كإشارة إدراكية Perceptual signal لم تتطور كثيراً. والسبب بسيط جداً. ليس من السهل دراسة مساهمة الجاذبية على الأرض، حيث الجاذبية موجودة دائماً.

كيف يمكنكِ أن تفعلي ذلك بالضبط؟

نحن بحاجة إلى أن نكون مبدعين في إيجاد طرق لدراسة الجاذبية على الأرض وربما خارجها. تُجرى أبحاث طبية رائعة باستمرار على محطة الفضاء الدولية International Space Station (اختصاراً : المحطة ISS). ويشارك رواد الفضاء في العديد من التجارب – هل تتذكرين مدى انشغال تيم بيك Tim Peake؟ – لتقديم بيانات مباشرة عن آثار الجاذبية في فيسيولوجيا الجسم. ومع ذلك، فإننا نتحدث عن عدد قليل من الأشخاص المدربين تدريباً جيداً جدّاً ليكونوا في الفضاء الخارجي. وما يهمني أكثر هو ما يحدث لغير رواد الفضاء عندما يتعرضون لجاذبية غير أرضية.

ويجمع بحثي بين تقنيات علم الأعصاب الإدراكي وعلم النفس التجريبي وطرق البحث الفضائي. نحن نُجري تجارب تدعمها وكالة الفضاء الأوروبية European Space Agency (اختصاراً: الوكالة إيسا ESA) على متن طائرة تتبع مسار القطع المكافئ Parabolic – الطائرة الشهيرة المسماة مذنب القيء Vomit Comet – وأجهزة الطرد المركزي البشرية. كما نطوّر تقنيات لتغيير الجاذبية في مختبرنا؛ مما يتيح لنا فهمَ كيف تؤثر الجاذبية في سلوك مجموعات كبيرة من الناس هنا على الأرض.

إذْ نستخدم طاولات الانقلاب Inversion tables، والتي قد تقلب الناس رأساً على عقب. فقد أظهرنا مؤخراً أنه يمكن استخدام الواقع الافتراضي بشكل موثوق به لخداع الدماغ وجعل الأفراد يعتقدون أنهم على كوكب لديه جاذبية مختلفة، على سطح المريخ على سبيل المثال. وأخيراً، نطبق المحاكاة الدهليزية الاصطناعية Artificial vestibular simulation، حيث تحفز بعض الأقطاب الكهربائية الموضوعة خلف الأذن العصبَ الدهليزي Vestibular nerve [المسؤول عن السمع والتوازن]. وتبدو الأقطاب مثل فرانكشتاين قليلاً، لكنها آمنة تماماً، لا داعي للقلق. وباستخدام هذه الأساليب، يمكننا دراسة الكيفية التي يتغير بها الإدراك الحسي Perception والإدراك المعرفي Cognition عند تغير معلومات الجاذبية.

لقد ذكرت الطيران المكافئ، هل يمكنكِ أن تعطينا نبذة عنه؟

هذا هو الجزء الحقيقي الممتع في بحثي! تُجرى رحلات الطيران المكافئ على طائرة إيرباص A310 معدلة. ولا تحتوي الطائرة على المقاعد المعتادة، بل هناك معدات لإجراء التجارب. تتواجد عدة فِرَق على متن الطائرة في الوقت نفسه. ويمكن أن تتفاوت التجارب من علوم الأحياء إلى الفيزياء.

خلال هذه الرحلات، تتبع الطائرة مسار قَطْعٍ مكافئ. فهي تتناوب بين الارتفاع والنزول، بزاوية ميل 45 درجة. يبدأ كل قطع مكافئ بمرحلة تسارع مع السَّحب إلى الأعلى Pull-up حين يكون حمل الجاذبية أكبر بمرتين من جاذبية الأرض، أو ما نسميه الجاذبية المفرطة أو 2g. ويترك الطيارون الطائرة تهبط في سقوط حر. وتولد هذه المرحلة انعدام الوزن (0g). وبعد ذلك يسرِّع الطيارون السَّحب، حيث تتضاعف الجاذبية مرة أخرى. تستمر كل مرحلة لمدة 20 ثانية تقريباً.

وخلال الرحلة، سيكون لدينا العديد من القطوع المكافئة، نحو 15 أو 16، لذلك تستمر الرحلة نفسها لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات. إنها فترة طويلة من الزمن، لكن التجربة يجب أن تُنجز في 20 ثانية نظراً لقِصر وقت التعرض للجاذبية الصغرى.

هل يمكنك تحقيق إنجاز في 20 ثانية فقط؟!

الأمر معقّد، لكنه قابل للتنفيذ. يجب أن تكون التجربة جيدة التصميم ودقيقة وأن نتحكم فيها. علينا التأكد من أن التجربة مثالية قبل الإقلاع. ويبدو الأمر مثل الرقص، تصميم لحركات لأشخاص يقومون بأشياء للتجربة في تلك الثواني العشرين، في مساحة قدرها نحو 1.5 متر مربع، في حين يسبحون داخل الطائرة. لذلك الأمر صعب. إنه بعيد عن راحة المختبر، لكن تجربة انعدام الوزن بحد ذاتها هي مكافأة رائعة بالفعل!

كيف تشعرين في حالة انعدام الوزن؟

انعدام الوزن هو أفضل شيء على الإطلاق. إنه رهبة وحرية. تتحركين من دون أي جهد، وبلا قيود، تسبحين. إنها تجربة رائعة. لكن دعيني أكون صادقة: ليس الأمر سهلاً. ذكرت من قبل دوار الحركة الفضائية ونحن نشعر بذلك خلال الرحلات المكافئة. نتناول عادةً بعض الأدوية، لكننا نشعر بدوّار وارتباك.

ما تأثير الجاذبية الذي اكتشفتيه على الإدراك؟

نهتم أنا وفريقي من الباحثين بالكيفية التي تؤثر بها الجاذبية في الإدراك الحسي البشري وصنع القرار. على سبيل المثال، أردنا أن نرى ما إذا كان صنع القرار مثالياً عندما لا يكون تسارع الجاذبية g1 المعتاد.

وقد فعلنا ذلك في المختبر بالطلب إلى المشاركين في التجربة قول رقم عشوائي. ستقولين: «ما علاقة هذا بذاك؟». حسناً، [عندما تقولين سلسلة من الأرقام العشوائية] ستختارين الخيار نفسه، وتولدين سلوكاً نمطياً. على سبيل المثال، قد أستمر بقول: اثنين، اثنين، اثنين. أو يمكنك التبديل من رقم إلى آخر، وهو نوع من السلوك الأمثل.

إذن، مزيد من الخيارات، ومزيد من السلوك الجديد. حالياً، عندما نفكر في التكيف مع المحيط الخارجي، نريد أن نجري مقايضة بين السلوك النمطي والجديد. لا نريد أن نختار دائماً الخيار نفسه، ولا نريد دائماً اختيار خيارٍ مختلف.

هذا النوع من مهمة اختيار الأرقام العشوائية قد يوفر لنا بعض المؤشرات عن مدى وجود إرادة وميل للاستكشاف لدى الأفراد في بيئة ما. فعلنا هذا مع المشاركين في وضع مستقيم، وذلك تمشياً مع اتجاه الجاذبية، أو في وضع الاستلقاء، وهي حالة لا تتوافق مع الجاذبية. وقد سمح لنا هذا التلاعب البسيط بتغيير المعالجة الفيسيولوجية للجاذبية؛ مما أدى إلى وصول معلومات الجاذبية المختلفة إلى دماغنا. تتكشف الأعضاء الدهليزية على الفور «أنا غير محاذٍ للجاذبية».

لقد وجدنا أنه، أثناء الاستلقاء، أنتج الأفراد مزيداً من الاستجابات النمطية. هذا يخبرنا بأن المشاركين لم يستخدموا استراتيجية مثالية لحل المهمة وأن عملية صنع القرار لديهم قد تأثرت بتغير الجاذبية. وهذه تجربة في المختبر. لكن تخيلي أنكِ على المريخ. عليك أن تقرري ما إذا كنتِ تريدين الاستكشاف أم البقاء حيث أنتِ. ربما يكون الاستكشاف محفوفاً بالمخاطر، لكن عليكِ القيام بذلك، وإذا لم تتحركي، فلن تستكشفي، وقد تكون هذه مشكلة.

تخبرنا المناورة في المختبر بشكل أساسي: انظروا، ربما لا يتخذ الأشخاصُ القرارَ الصحيحَ عندما يكونون بعيدين عن الأمان الذي توفره لهم الجاذبية الأرضية، وهذا في اعتقادي قد يكون له بعض التأثير.

كيف يمكنكِ التغلب على ذلك؟

نأمل بالتغلب عليه بالتدريب الجيد. في الواقع، لا أتوقع رؤية هذا النوع من الضعف لدى رواد الفضاء: كما قلت، فهم يخضعون لتدريبات شديدة قبل الذهاب إلى الفضاء الخارجي. أتساءل عما سيحدث على متن رحلة فضائية تجارية؛ فقد اشترينا التذكرة، ونريد أن نذهب على متن الطائرة. لا نريد فعلاً التدرب لمدة سنتين أو أربع سنوات قبل الذهاب لقضاء إجازتنا. ويتطلب هذا السيناريو برامج تدريب جيدة لضمان قدرة مسافرين الفضاء على اتخاذ القرارات المثلى إذا لزم الأمر.

يبدو أنه يتحرك بشكل أسرع من تحرك العلوم. هل هذا صحيح؟

يبدو كذلك. أعتقد أننا حققنا نتائج مذهلة في السنوات الماضية فيما يتعلق بالتحسينات التقنية في استكشاف الفضاء. لكننا نحتاج أيضاً إلى بذل بعض الجهد لفهم كيف يمكننا تحسين الأداء البشري. أنا لست متشائمةً؛ سأكتفي بالقول أن هناك مشكلة ونحن بحاجة إلى حلها.

إذن، ما التالي؟

هذا مجال مليء بالتحديات، لكنه منفتح على السؤال «ما التالي»: هناك العديد من الجوانب التي قد نحقق فيها. نحن نبحث حالياً في كيفية تأثير الجاذبية المتغيرة في المخاطرة والتفاعلات الاجتماعية. لكننا نقوم أيضاً ببعض الأبحاث حول المعالجة الحسية منخفضة المستوى Low-level sensory processing، وقد انتهينا للتو من إجراء دراسة بحثية حول ما إذا كان تصور الألم يتأثر بالجاذبية المتغيرة.

هل يمكن للألم أن يتأثر بالجاذبية؟

لم يُنشر هذا بعد، لأننا انتهينا للتو، لكن نعم، يبدو أن الجاذبية المتغيرة تجعل الأفراد يشعرون بألم أقل، وهو نوع من التأثير المُسكِّن.

إذا قُدِّمَت لكِ تذكرة على رحلة فضاء تجارية الآن، هل ستذهبين؟

نعم، بكل تأكيد! بالطبع سأذهب.

إذا كان لديكِ الخيار للذهاب إلى أي مكان في الفضاء، فأين ستذهبين؟

إلى القمر.

لقد قلتِ ذلك بسرعة، أنت تعرفين إجاباتك فعلاً. لماذا القمر؟

أشعر دائماً بالانفعال عندما أرى مقاطع فيديو الهبوط على القمر. مع الأسف، كنت أصغر من أن أشاهدها وهي تبث بثا حيا، لكنني أعتقد أنه كان من المثير للإعجاب دائماً أن أرى تلك المقاطع.

نحن نراقب القمر من الأرض كل ليلة تقريباً. هل يمكنكِ أن تتخيلي كم هو جميل أن نرى كوكبنا، الأرض، من هناك؟ سيمنحنا وعياً بمدى جماله ورقته وهشاشته.

هل تعتقدين أننا سنكون قادرين على استعمار الفضاء؟ هل سنكون قادرين على العيش خارج الأرض؟

ربما. دماغنا رائع في التكيف. فكري في الأرض، حيث تمكن الناس من العيش في العديد من البيئات الصعبة؛ في الصحراء، وعلى قمة جبل. الفضاء هو الحدود القصوى. ولن يكون الأمر سهلاً، أصعب بكثير مما نراه في أفلام الخيال العلمي، لكن نعم. لِمَ لا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى