أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
تعليق

هل تؤثر جيناتُك في تذوقك للطعام؟

كيف يؤدي الحمض النووي DNA دوراً في اختيار أطعمتك المفضلة

ألا ذوقَ لديك؟ إنه سؤال مثير للاهتمام، وإن كان وقحاً، ويشمل مجموعة واسعة من الموضوعات المحتملة. هل أنت على وشك أن تتعرض للنقد بسبب ذوقك في الفن؟ والكتب؟ والملابس؟ وبالطبع، دعونا لا ننسَ الطعام.

عديد من الأذواق الغذائية مكتسبة. خذ الأنواع المختلفة من الكربوهيدرات النشوية والتي تُشكل أكثر من نصف استهلاكنا العالمي من السعرات الحرارية. زوجتي وهي من أصل أوروبي أبيض تحب الخبز. أنا من أصل صيني، ولا أشعر بأنه مادة أساسية. أما الأرز والنودلز فيمكنني تناولُها كل يوم. يكاد يكون حب الأطعمة النشوية عالمياً، ولكن مقدار الميل إلى تذوق أشكالها المختلفة متأصل ثقافياً فينا منذ سن مبكرة.

تؤثر جيناتُنا أيضاً في تذوقنا لبعض الأطعمة. في مختبري ندرس الأساس الجيني لوزن الجسم والذي يتأثر بشدة بالكيفية التي يتحكم وفقها دماغُنا في عاداتنا الغذائية. أحد الجينات التي تؤدي دوراً رئيساً في التحكم في تناول الطعام هو مُستقبِل الميلانوكورتين 4، أو اختصاراً المُستقبِل MC4R الذي يشكل جزءاً من الدائرة في أدمغتنا التي تستشعر كمية الدهون التي نحملها، ومن ثمّ تحدد المدة التي يمكننا أن نبقى خلالها أحياء من دون طعام. لقد أظهرنا أن نحو 0.3% من سكان المملكة المتحدة – ما يصل إلى 200,000 شخص – لديهم طفرة في الجين MC4R تجعلهم، في المتوسط، أثقل بمقدار 18 كغم في سن 18 عاماً مقارنة بشخص ليس لديه هذا الجين. وتُشكل الدهون 15 كغم من تلك الكيلوغرامات الزائدة البالغة 18 كغم. 

لماذا؟ نظراً إلى أن الأشخاص الذين لديهم طفرات في الجين MC4R لديهم أدمغة أقل حساسية لكمية الدهون في أجسامهم، تعتقد أدمغتهم أنهم يحملون دهوناً أقل مما يحملونها في الواقع. نتيجةً لذلك يأكلون أكثر وينتهي بهم الأمر إلى زيادة الوزن.

لا تؤثر طفرة الجين MC4R في مقدار ما نأكله فحسب، بل تؤثر أيضاً فيما نأكله. أعدت زميلتي في كيمبريدج، البروفيسورة صدف فاروقي Sadaf Farooqi، تجربتين لمحاولة فهم الدور الذي يؤديه الجين MC4R بشأن التأثير في اختيار الطعام. اختبرت أفراداً نحيفين وأفراداً يعانون السمنة، سواء مع طفرات الجين MC4R أو من دونها.

في التجربة الأولى قدمت للمشاركين بوفيها مفتوحاً حيث يمكنهم أكل كل ما طاب لهم مع ثلاثة أنواع من مرقة كورما الدجاج. كانت جميع أنواع الكاري الثلاثة متشابهة في شكلها ورائحتها ومذاقها، ولكنها اختلفت في محتوى الدهون الذي عُدل لتحتوي على 20% (منخفض)، و40% (متوسط) أو 60% (مرتفع) من السعرات الحرارية من الدهون. أولئك الذين يحملون طفرة في الجين MC4R أكلوا ما يقرب من ضعف كمية الكاري عالي الدهون مقارنة بالأفراد النحيفين، و65% أكثر من الأفراد الذين يعانون السمنة وليست لديهم طفرة في الجين MC4R.

ثم أُعطيت المجموعاتُ الثلاث نفسها حلوى إيتون ميس Eton mess، وهي حلوى تشبه البافلوفا Pavlova مصنوعة من الفراولة والكريمة المخفوقة والمرانغ. هنا أيضاً، قُدمت إلى المشاركين ثلاثة خيارات، هذه المرة تختلف في كمية السكر التي تحتويها وتوفر 8% أو 26% أو 54% من المحتوى الحراري. على عكس التجربة الأولى، أحب الأفراد الذين يحملون طفرة في الجين MC4R الحلوى التي تحتوي على نسبة عالية من السكر أقل من نظرائهم النحيفين والبدناء، وأكلوا أقل من الأنواع الثلاثة مقارنةً بالمجموعتين الأُخريين. اتضح أن الأشخاص الذين لديهم عيب في الجين MC4R يفضلون الأطعمة الغنية بالدهون، لكنهم أقل ميلاً إلى تناول السكر.

ماذا عن تذوق أو كره أطعمة معينة، مثل براعم الكرنب Brussels sprout؟ خلال محاضرة في المعهد الملكي في لندن Royal Institution in London، قدمتُ ذات مرة عرضاً بمشاركة 12 شخصاً من الجمهور. أُعطي كل فرد قطعةً صغيرة من الورق ليضع لسانه عليها. فعلتُ ذلك أيضاً، لأُظهر أنني لم أكن أحاول تسميم أي شخص. قال نصف المتطوعين (بمن فيهم أنا) إنه تذوق طعماً مراً، في حين لم يتذوق النصف الآخر شيئاً، وكانوا في حيرة من ردود أفعال الآخرين. ما الذي حدث؟

حسناً، وُضعت على جميع قطع الورق قطرة من فينيل ثيوكاربامايد Phenylthiocarbamide. وهي المادة الكيميائية المسؤولة عن الطعم المر الموجود في نباتات براسيكا Brassica في عائلة الكرنب والخردل والتي تشمل الملفوف الصغير المسمى كرنب بروكسل. نحو 50% من الناس يحملون تنويعاً مختلفاً من الجين TAS2R38 يسمح لهم بالتعرف على هذه المرارة. القدرة على تذوق هذه المرارة لا تعني تلقائياً أنك ستكره براعم الملفوف الصغيرة، لكنها بالتأكيد تؤثر في الإحساس الذي تشعر به لدى أكلها.

”أولئك الذين يُبغضون الكزبرة يجدون فيها طعماً صابونياً“

ثم هناك ما يُسمى رد فعل ”المارمَيْت“ Marmite تجاه عشبة الكزبرة التي يعتبرها كثير من الناس لذيذة، لكن البعض – مثل الطاهية الشهيرة جوليا تشايلد Julia Child – يجدونها مثيرة للاشمئزاز. أولئك الذين يبغضون الكزبرة يجدون فيها طعماً صابونياً، وهذا أيضاً منشؤُه جيني. بعض الناس لديهم تباين في الجين المُستقبِل الشَّمي OR6A2 الذي يسمح لهم بشم مركبات الألدهيدات Aldehydes بقوة في أوراق الكزبرة، وهي مصدر نكهة الصابون. ومن المثير للاهتمام أن انتشار هذا الاختلاف يختلف جغرافياً، وهو أقل شيوعاً في المناطق التي تكون فيها الكزبرة أكثر شيوعاً، مثل أمريكا الوسطى والهند.

لذلك في المرة المقبلة التي يعبِّر فيها ضيف على العشاء عن إعجابه أو عدم إعجابه بطعام معين، قد يكون ذلك لأسباب ثقافية، ولكن يمكن أن يكون له أساس جيني. مهما كان السبب، فمن الأفضل على الأرجح تجنُّب إصدار الأحكام!

البروفيسور جايلز ييو (@GilesYeo)
جايلز أستاذ علم الغدد الصماء الجزيئي من جامعة كيمبريدج University of Cambridge، وقدم برنامج ثق بي أنا طبيب Trust Me, I’m a Doctor، وحلقات من برنامج هورايزون Horizon على قناة BBC الثانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى