أحد صفحات التقدم العلمي للنشر
Advertisement
اكتشافات

تيارات المحيط الأطلسي آخذة في التباطؤ. فماذا يعنيه هذا بالنسبة إلى مناخ المملكة المتحدة؟

تيار الخليج الذي يلطِّف طقس المملكة المتحدة قد يتأثر بهذا التغيير.

وجدت دراساتٌ أن الدورة التقلُّبية الجنوبية في المحيط الأطلسي (أموك AMOC) تتباطأ. ماذا عن دورة التيارات المحيطية هذه بالضبط؟

ببساطة، إن الدورة التقلُّبية الجنوبيةفي المحيط الأطلسي ATLANTIC MERIDIONAL OVERTURNING CIRCULATION (اختصاراً: أموك AMOC) هي تيارات محيطية تتحرك على نطاق واسع عند أعلى من 1,000 متر من مياه المحيط الأطلسي. وتنقل التيارات المياهَ الدافئة المالحة شمالاً عبر المحيط الأطلسي. عندما يصل إلى المنطقة شبه القطبية في شمال المحيط الأطلسي، يبرد الماء ويتكثف ويتحرك نزولاً إلى ما دون 1,000 متر ويتدفق عائداً نحو الجنوب.

يمكنك أن تتخيل الأمر كأنه سير ناقل Conveyor belt عالمي، مثل الذي تراه في السوبر ماركت.

ما مدى تأثير نظام السير الناقل هذا؟

الأمر كله يتعلق بالسخونة، إن شئتَ فهو مثل نظام تدفئة عملاق Radiator system. ينقل شمال المحيط الأطلسي كمية هائلة من الحرارة شمالاً، من المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية إلى المنطقة شبه القطبية في المحيط، وهي المنطقة الواقعة بين المملكة المتحدة وآيسلندا وغرينلاند وكندا.

ستكون المياه حول المملكة المتحدة أكثر برودة بكثير لو لم تكن لدينا هذه الحرارة المنقولة عبر المحيط الأطلسي بواسطة هذه الدورة التقلبية Overturning circulation. يمكنك أن تتخيل الأمر على أنه بطارية- من نوع ما- للغلاف الجوي.

الدورة التقلُّبية الجنوبية في المحيط الأطلسي مهمة جداً بالنسبة إلى الطقس والمناخ. في الواقع، تيار الخليج Gulf Stream هو جزء من هذه الدورة، وهو أيضاً جزء من الدوران شبه الاستوائي العملاق الذي يدور أفقياً. الدوران شبه الاستوائي تدفعه الرياح وسيستمر في الدوران حتى مع ارتفاع درجة حرارة العالم، ولكن مع تباطؤ حركة الدورة التقلُّبية الجنوبية في المحيط الأطلسي، يتباطأ ذاك الجزء من القوة الدافعة لتيار الخليج، ومن ثمَّ يتباطأ النظام الناقل الحالي بمجمله.

إحدى الإحصائيات المهمة التي من المفيد جداً التفكير فيها هي أن حرارة المتر السطحي من مياه المحيط تحتوي على القدر نفسه من الطاقة الحرارية في الغلاف الجوي بكامله. المحيط لديه هذه القدرة على تخزين الحرارة. تحافظ حركة الحرارة هذه حول الكرة الأرضية على مناخنا لطيفاً ليطيب لنا العيش فيه. لو كانت الحرارة كلها مركَّزة في المناطق الاستوائية، لكانت تلك المناطق حارة جداً إلى درجةٍ لا يمكن العيش فيها، ولكان كل مكان آخر أكثر برودة مما يمكن تحمُّله. هذه هي أهمية الدورة المحيطية بالنسبة إلينا، والطريقة التي تعدل بها مناخنا وطقسنا.

كيف تغيَّرت الدورة التقلُّبية الجنوبية في المحيط الأطلسي؟

كيف ستتغير في المستقبل هو السؤال الأهم، لأن هذه الدورة مهمة جداً للمناخ والطقس لدينا في المملكة المتحدة إلى درجة أننا نحتاج حقاً إلى معرفة كيف ستتغير. المشكلة هي أن التنبؤات ليست دقيقة جدا، لكن معظم النمذجات المناخية تظهر تباطؤاً في الدورة التقلبية على مدى العقود القليلة المقبلة. وفق سيناريو الانبعاثات المنخفضة، يستغرق الأمر وقتاً أطول للوصول إلى نقطة منخفضة، ولكن في سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة، قد لا يستغرق الأمر أكثر من 50 عاماً أخرى لتصل إلى تلك النقطة المنخفضة.

ما الذي يجعل تغيُّر حرارة المحيط مهماً بالنسبة إلى المناخ؟

وفق نمذجة التوقعات، سيتغير مناخنا بمرور الوقت مع انبعاثاتنا من ثاني أكسيد الكربون. من الصعب جداً فصل تأثيرات تباطؤ الدورة التقلبية عن معظم التأثيرات الأخرى للمحيط والغلاف الجوي. فهي تتفاعل بعضها مع بعض. لذا فإن القدرة في الواقع على تحديد ما سيسببه التباطؤ في الدورة التقلبية.

لكننا نعتقد أن تباطؤ الدورة التقلبية سيتجلى تأثيره في تبريد أجزاء من المحيط غرب المملكة المتحدة، لأنه ينقل قدراً أقل من الحرارة باتجاه الشمال عبر المحيط الأطلسي. لذا فإن توزيع الحرارة من المناطق المدارية إلى المناطق شبه القطبية يتباطأ قليلاً. تزداد برودة ذاك الجزء من المحيط قليلاً ولا يسخن بالسرعة نفسها مثل بقية العالم. هذا له تأثير مباشر في طقسنا.

في المملكة المتحدة في الوقت الحالي، يزداد الطقس رطوبة ودفئاً، كما نشهد ظواهر جوية أكثر تطرفاً. ولكن تباطؤ الدورة التقلبية يعيق تسارع تطور هذا الاتجاه بعض الشيء. وذلك لأنه إذا لم يكن هناك هذا الارتفاع في درجة حرارة المحيط الأطلسي، فسيكون لذلك تأثير في أشياء مثل مكان وجود تيار الهواء النفاث Jet stream. إذا تحرك التيار النفاث إلى شمال المملكة المتحدة، وهو أمر يمكن أن يحدث مع تباطؤ الدورة التقلبية، فإن طقسنا بكامله سيصير أكثر جفافاً، لأن معظم العواصف التي تجلب لنا المطر قد تتحرك إلى الشمال من المملكة المتحدة. لكن من غير الواضح على وجه التحديد ما يفعله إضعاف الدورة أموك AMOC.

ألا تؤدي الملوحة أيضاً دوراً كبيراً في الدورة المحيطية؟

الأمر الحاسم في حدوث الدورة التقلبية هو أن مياه المحيط الأطلسي مالحة. عندما تتحرك طبقة من المياه بعمق 1,000 متر عبر المناطق المدارية وشبه المدارية، فإنها تفقد المياه العذبة. يحدث كثير من التبخر، من ثمَّ تصير المياه مالحة أكثر فأكثر في أثناء انتقالها إلى القطبين.

هذا المستوى من الملوحة مهم جداً، لأنه عندما يكون الماء بارداً ومالحاً يصير كثيفاً جداً. هذا ما يجعله يغوص إلى قاع المحيط. لو لم يكن الماء على هذا القدر من الملوحة، لظل بارداً، ولكن لبَقِيَ أقرب إلى السطح، ولم يغص إلى ذاك العمق.

تُظهر معظم النمذجات أن الدورة التقلبيةتتباطأ لأن ملوحة المياه تنخفض. هناك عديد من العوامل التي تجعل الماء أقلَّ ملوحةً، بما في ذلك التغيرات في مستويات هطول الأمطار والمياه الذائبة المنسابة من الغطاء الجليدي في غرينلاند. الماء الأقل ملوحة أقل كثافةً، ومن ثمَّ يغوص القليل منه، ولا يغوص عميقاً جداً، مما يؤدي إلى إبطاء الدورة المحيطية بوجه عام.

إلى أي مدى نحن واثقون بأن تغيُّر المناخ بفعل البشر هو المسؤول عن ذلك؟

لدينا ثقة كبيرة بأن الانخفاض المتوقع في حركة الدورة التقلبية في المستقبل مدفوع بانبعاثات الكربون الناجمة عن النشاط البشري. أُنجزت كثير من الدراسات باستخدام نمذجة تسمح لنا باختبار التأثير الناتج عن التغيرات في انبعاثات الكربون في المناخ في المحيط. يمكنك أن تختار أي انبعاثات وسوف تخبرك النمذجة كيف سيبدو الأمر لو لم تكن هناك أي انبعاثات.

أمامنا تحدٍّ حقيقي لأننا لا نمتلك ملاحظات رصدية مباشرة لقوة الدورة التقلبية إلا منذ العام 2004 فصاعداً، وهي ليست فترة طويلة جداً.

لذا إذا نظرنا إلى الاتجاهات على مدى عقود، فليست لدينا بالفعل ملاحظات رصدية مباشرة لقوة الدورة التقلبية تساعدنا على فهم مدى جودة أداء النمذجات. لكننا استخدمنا بدائل لتقدير قوة الدورة التقلبية في الماضي.

يمكن لأشياء مثل أدلة مأخوذة من قاع البحر أن توضح لنا ما إذا كنا نعتقد أن الدورة التقلبية قد تباطأت بمرور الوقت. وفي السابق أُجريت دراسات قدمت أدلة على أنها آخذةٌ في الانخفاض على مدار المئة عام الماضية.

ولكن هناك أيضاً أدلةً على أنها لم تتباطأ خلال 100 عام مضت. وليس من الواضح في الوقت الحالي، أو بالأحرى لسنا واثقين جدا، بما إذا كنا نعرف مدى قوة الدورة التقلبية، أو مدى التباين الذي حدث خلال المئة عام الماضية؛ لذلك يبقى أمامنا هذا التحدي لمواصلة تحسين فهمنا.

يعود الأمر إلى تحسين جودة النمذجات التي نستخدمها لتمثيل المحيط الحقيقي، لأن تفسير السجلات البديلة هذه يعتمد على سلوك النمذجة. وإذا لم يمثل سلوك النمذجات الواقع، فإنه يجعلنا أقل ثقة بقليل بقدرة تلك السجلات البديلة.

ماذا يمكننا أن نفعل لتلطيف ذاك التأثير؟

حسناً، إن تقليل الانبعاثات هو الوسيلة لتقليل التأثير. هناك أمر أوضَحه تماماً تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (اختصاراً: الهيئة IPCC) [يمكن قراءة مزيد عن التقرير في الصفحة 11]، وهو أن هناك دليلاً على تراجع قوة الدورة التقلبية. المهم هو أن نكون قادرين على فهم مجريات تلك العملية، والعمليات الفيزيائية التي تحدث في المحيط. نحتاج إلى فهم ماهيتها وكيف تتغير بمرور الوقت للتأكد من أننا نعبر عنها بصورةٍ صحيحةٍ في النمذجات.

”المحيط لديه القدرة على تخزين الحرارة. وتحافظ حركة الحرارة هذه حول العالم على مناخنا لطيفاً ليطيب لنا العيش فيه“

 

البروفِسورة بيني هوليداي Penny Holliday

بيني هي اختصاصية في علم المحيطات الفيزيائي. تُركز في أبحاثها على دورة التيارات وتباينها في المنطقة شبه القطبية في شمال المحيط الأطلسي، ودور المحيط في مناخنا المتغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى